‏إظهار الرسائل ذات التسميات نظريات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نظريات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 أبريل 2012

التعلم ونظرياته



تعريف التعلم: يعرف علماء النفس التعلم على أنه تغير في سلوك الفرد أو في تفكيره أو في شعوره، أي في السلوك أو الخبرة، ويرى بعضهم أن هذا التغير ثابت نسبي غير مطلق، يبدو أثره في نشاط الفرد بحيث يجعله يميل إلى أن يسلك أو يفكر أو يشعر كلما سلك أو فكر أو شعر به من قبل، ثم أنه تغير يحدث عن مواجهة الشخص موقفا جديدا، وقيامه بنشاط يكسبه قدرة جديدة ويشترط ألا يكون هذا التغير نتيجة للنضج الطبيعي الذي تحدثه الوراثة.

ويعرفه أحمد عزت راجح على أنه تغير ثابت نسبي في السلوك أو الخبرة ينجم عن النشاط الذاتي للفرد لا نتيجة للنضج الطبيعي.

معنى التعلم في علم النفس: يستخدم علماء النفس مفهوم التعلم بمعنى أوسع وأشمل بكثير من معناه في اللغة العامية، فهو لا يقتصر فقط على التعلم المدرسي المقصود أو التعلم الذي يحتاج إلى دراسة ومجهود وتدريب متواصل أو تحصيل المعلومات وحدها دون غيرها من أشكال وأنواع المكتسبات، بل يتضمن كل ما يكتسبه الفرد من معارف ومعان وأفكار واتجاهات وعواطف وميول وقدرات وعادات ومهارات حركية أو غير حركية سواء تم هذا الاكتساب بطريقة مقصودة أو غير مقصودة، فالأبيات الشعرية التي أسمعها عدة مرات دون أن أقصد حفظها ثم أجد نفسي أرددها فهي أبيات مكتسبة متعلمة، وبهذا المعنى يكون التعلم مرادفا للاكتساب والتعود بأوسع مفهوم لهما.                      

والواقع أن الإنسان ليس كالحيوان، فهو دائما في حاجة إلى التعلم حيث أن الحيوان يولد مزودا بالفطرة بأنماط سلوكية معينة تعرف بغرائز الحيوان، كغريزة بناء العش وادخار الطعام، هذا إلى جانب غريزة الأمومة والغريزة الجنسية، وغريزة الصيد، وهي تكفيها لإشباع حاجاتها وتكيفها مع بيئتها الضيقة الثابتة نسبيا، أما الإنسان فتبدأ عنده عملية التعلم منذ مرحلة الرضاعة وتطول مدة حضانته ورعايته حتى يتعلم ويكتسب أشكالا وأنواعا كثيرة من السلوك تمكنه من التكيف مع بيئته ومحيطه المعقد المتغير الذي يتطلب مرونة بالغة للتكيف.

ويقوم التعلم بدور كبير في كل مجال من مجالات النمو الجسمي والحركي والعقلي واللغوي، لذا فهو يكاد يتصل بكل موضوع من مواضيع علم النفس، ذلك لتعدد صوره المختلفة في أشكالها وفي مواضيعها ولا بأس أن نشير إلى بعض منها:           

-         تعلم حركي يستهدف كسب عادات ومهارات حركية معينة يغلب فيه النشاط الحركي كعادة السباحة أو الكتابة على الكمبيوتر.
-         تعلم معرفي يرمي إلى اكتساب مجموعة من المعلومات أو المعاني والأفكار.
-         تعلم لفظي يهدف إلى كسب عادة يغلب فيها النشاط اللفظي كعادة النطق الصحيح أثناء القراءة مثلا.
-         تعلم وجداني وانفعالي ينجم عنه اكتساب العواطف والاتجاهات والدوافع الجديدة.

 شروط التعلم: إن للتعلم شروط أساسية لا يتم دونها أي تعلم وهي كما يلي:

-         وجود الفرد أمام موقف جديد غير مألوف.
-         وجود دافع يحمل الفرد على التعلم.
-         بلوغ الفرد مستوى النضج الطبيعي ليتيح له فرصة التعلم.

الدوافع والتعلم: من البديهي أن يتعلم الإنسان إن كانت لديه الرغبة في ذلك، وكانت لديه القدرة على التعلم وأتيحت له الفرصة لذلك، غير أن القدرة والفرصة المتاحة لا تكفيان إن لم يكن لدى المتعلم ما يدفعه إلى التعلم، فلا تعلم دون وجود دافع.

ونرى كلاب بافلوف وقردة كوهلر وقطط ثورندايك التي أجريت عليها التجارب بدأت نشاطها التعليمي تحت تأثير دافع الجوع الذي تركها تستجيب وتتعلم، لذلك أصر علماء النفس على أن يقوم كل تعلم على الدوافع الأساسية، حيث تأكد لهم أيضا من التجارب العديدة التي أجروها على الحيوانات أنه كلما كان الدافع قويا كلما ازدادت فعالية التعلم.

أما الدوافع التي تحفز الإنسان على التعلم فهي كثيرة، قد تكون دوافع متعلقة بموضوع التعلم كرغبة الطفل في تعلم القراءة لأنها تشوقه وقد تكون دوافع غير ذاتية لكنها ترتبط بظروف التعلم ارتباطا وثيقا مباشرا كرغبة المتعلم في التقدير الاجتماعي أو احترام نفسه أو التعبير عنها، كما قد تكون دوافع خارجة عن موضوع التعلم كرغبة المتعلم في التعلم إرضاء لوالديه أو لمربيه.

والدافع ليس ضروريا لبدء التعلم فحسب بل ضروريا أيضا للاستمرار فيه ولإتقائه والتغلب على ما يعترضه من صعوبات ولاستخدامه في موقف جديد، ذلك أن الدافع القوي يزيد من اليقضة ويقوي تركيز الانتباه ويؤخر ظهور التعب والملل، ويجعل المتعلم أكثر تقبلا لما يوجه إليه من نصح وإرشاد ...

النضج الطبيعي والتعلم: بين النضج الطبيعي والتعلم صلة وثيقة، فالإنسان لا يستطيع أن يتعلم شيئا ما إلا إذا بلغ مستوى معينا كافيا من النضج الطبيعي الذي يتيح فرصة تعلمه.

والنضج الطبيعي شكل من النمو يحدث نتيجة للتكوين الوراثي للفرد، أما التعلم كما سبق أن أشرنا، فهو تغير ثابت نسبي في السلوك ينجم عن النشاط الذاتي للفرد ويتطلب ممارسة وتدريبا، لكنه يتوقف إلى حد ما على مستوى النضج الذي بلغه الفرد، فالماشي عند الأطفال نتيجة نضج لا تعلم لأن الطفل يستطيع المشي دون مساعدة وتدريب متى بلغ جهازه العضلي والعصبي درجة من النضج تسمح له بالمشي، وقد دلت التجارب على أن تعلم الكتابة يتطلب مستوى معين من النضج الجسمي  والحركي، ومستوى خاص من النضج العقلي يتيح للطفل أن يفهم معنى ما يكتسب، كما دلت تجارب أخرى على أنه من الخطأ البدء بتعليم الطفل القراءة قبل أن يصل إلى درجة كافية من النضج يتضمن قدرا معينا من حدة البصر والسمع وعمرا عقليا مناسبا لذلك.

واعتمادا على ما سبق ذكره نستنتج أن النضج الطبيعي عملية تلقائية تحددها استعدادات وراثية يشترك فيها جميع الأفراد أما التعلم فهو كل ما يكتسبه الفرد من معارف ومعاني وأفكار واتجاهات وقدرات ... بهذا المعنى يكون التعلم مرادفا للاكتساب والتعود بأشمل مفهوم لهما.         

نظريات التعلم: من البديهي أن يكون للتعلم في علم النفس نظريات، ذلك لأنه يهتم في جملته بدراسة الحفظ والتذكر واكتساب المهارات الحركية واللفظية والتعلم في صلته بالمتعلم والمعلم، هذه النظريات يصنفها علماء النفس في صنفين كبيرين وهما:

الصنف الأول: النظريات الترابطية: تذهب هذه النظريات في مجموعها إلى أن عملية التعلم تكمن في تقوية الروابط بين مثيرات واستجابات ومن أهمها نذكر ما يلي:

نظرية التعلم الشرطي: التعلم الشرطي يعني ارتباط مثير طبيعي بمثير اصطناعي جديد تنتج عنهما قدرة على إثارة السلوك، ومن أحسن الأمثلة التي توضح وتشرح ذلك، تجارب العالم الفزيولوجي الروسي بافلوف الذي كان يهتم بدراسة عملية الهضم عند مجموعة من الكلاب، سجل بافلوف بعض الملاحظات التي جعلته فيما بعد يغير اتجاهه في البحث ويجري بعد ذلك تجارب أخرى جديدة، هذه التجارب الجديدة أحدثت تغيرا كبيرا في علم النفس الحديث بخاصة في النظر إلى عملية التعلم وتفسيرها.

فقد كان من المعلوم أن الكلب يسيل لعابه حين يوضع الطعام (قطعة لحم) في فمه، وهذا فعل منعكس طبيعي يحدث استجابة لمنبه حسي ينتقل من الأعصاب الحسية إلى أحد المراكز العصبية منه إلى العضلات ثم الغدد عن طريق عصب حركي ثم لاحظ بافلوف في تجارب أخرى كان يجريها على الكلاب أن الكلب يسيل لعابه أيضا لمجرد رؤيته للطعام أو رؤيته للشخص الذي يقدم له الطعام، أي أن لعاب الكلب يسيل قبل أن يوضع الطعام في فمه، وقد أطلق بافلوف على هذا الإفراز في هذه الحالة اسم الإفراز النفسي تمييزا له عن الإفراز الذي يثيره وضع الطعام في الفم.

لم تكن هذه الملاحظة في ذاتها تنطوي على دلالة كبيرة، إذ من المعروف لدى بافلوف أن لعاب الكلب يسيل عند رؤيته للشخص الذي يقدم له الطعام أو عند سماعه الجرس الذي يؤذن للطعام غير أن بافلوف رأى أنه من الممكن أن يتخذ من هذه الاستجابة وسيلة لدراسة وظائف المخ وافترض أن حدوث هذا الإفراز النفسي يعني انفتاح ممرات عصبية جديدة في المخ، فترك دراسة فيزيولوجية المخ الذي كان يعتبره المركز الرئيسي المسئول عن السلوك الراقي لدى الفقريات العليا.

وأجرى سلسلة أخرى من التجارب للتحقق من صحة ما طرأ على ذهنه من فروض، فمن التجارب النموذجية التي أجراها نعرض ما يلي:

كان بافلوف يجيء بكلب فيثبته على مائدة التجارب ثم يضع على لسانه مقدارا من مسحوق اللحم المجفف فيسيل لعابه بطبيعة الحال بعد ذلك يقرع جرسا يسمعه الكلب قبل أن يضع المسحوق في فمه مباشرة ببضع ثوان، فكان يلاحظ بعد تكرار هذه التجربة عدة مرات تتراوح بين 15 إلى 100 مرة والكلب جائع في كل مرة وكان بافلوف يلاحظ أن مجرد قرع الجرس يكفي لإفراز لعاب الكلب دون أن يتلو ذلك وضع الطعام في فمه.

وأعاد التجربة مستعيضا قرع الجرس بإضاءة مصباح أمام الكلب وكذلك بعرض ساقه لصدمة كهربائية خفيفة قبل أن يعطيه المسحوق مباشرة، فوجد أن صوت الجرس أو نور المصباح أو الصدمة الكهربائية ليست بمثيرات فطرية طبيعية للعاب، فلابد وأنها اكتسبت هذه الخاصية لاقترانها المباشر بالمثير الطبيعي، وجود الطعام في فم الحيوان، وقد أطلق على هذه المثيرات البديلة الجديدة اسم المثيرات الشرطية، كما أطلق على الاستجابة للمثيرات الشرطية اسم الفعل المنعكس الشرطي لأنه يحدث بشروط منها:

-         الاقتران الزمني للمثير الجديد بالمثير الطبيعي اقترانا مباشرا بحيث تكون الفترة بنيهما وجيزة جدا إذ وجد بافلوف أن هذه الفترة الزمنية بين المثيرين إن زادت على 30 ثانية لا يحدث الفعل المنعكس الشرطي.
-         أن يكون هذا الاقتران عدة مرات.
-         أن يكون الحيوان جائعا يقضا في حالة صحية جيدة.
-         عدم وجود مشتتات لانتباه الحيوان أثناء التجربة.
قوانين التعلم الشرطي: بعدما تأكد بافلوف أن الحيوان قد تعلم لأنه يستجيب بإفراز اللعاب لمثيرات بديلة رمزية جديدة ليس بينها وبين المثيرات الطبيعية علاقة منطقية، انتهى إلى عدد من القوانين تفسر جوانب كثيرة من عملية التعلم وتكوين العادات عند الإنسان ومن أهمها نذكر ما يلي:

قانون التكرار المرة الواحدة: كان بافلوف يعتقد أن التكرار يقوي الروابط بين المثيرات والاستجابات ويسهل حدوثها، فأداء عمل ما عدة مرات يسهل أدائه في المرات اللاحقة، وعليه كان بافلوف في تجاربه الأولى يكرر ربط المثير الشرطي بالمثير الطبيعي عدة مرات قد تفوق المائة، غير أنه لاحظ في تجارب أخرى أن الاستجابة الشرطية قد تحدث من فعل المثير الشرطي مرة واحدة، بل لقد استطاع واطسن أن يجعل الولد يخاف الأرنب من مرة واحدة.

قانون التدعيم: المقصود من التدعيم عند بافلوف تقوية الروابط بين المثير الشرطي والاستجابة الشرطية، والذي يدعم ويقوي الاستجابة هو اقتران المثير الطبيعي بالمثير الشرطي، حيث لاحظ بافلوف أن الاستجابة الشرطية لا تتكون إلا إذا اقترن المثير الطبيعي بالمثير الشرطي مباشرة مرات متتالية ولعدة أيام متتالية، والتدعيم في هذه الحالة ينشأ عن إشباع دافع الجوع عند الحيوان فكان تقديم الطعام، قطعة اللحم، كان بمثابة مكافأته ونوعا من الثواب لقاء استجابته لليوم الموالي.

قانون الانطفاء: هذا القانون يتلخص في أن المثير الشرطي إن تكرر ظهوره دون أن يتبعه المثير الطبيعي من آن لآخر، أي دون تدعيم تضاءلت الاستجابة الشرطية الثابتة بالتدريج حتى تزول وتنطفئ كلية ... فكلب بافلوف الذي تعود أن يسيل لعابه عند سماعه جرسا لا يعود يسيل لعابه إن تكرر سماعه الجرس مرات كثيرة دون أن يتلو ذلك تقديم الطعام إليه، وقد يعتبر انطفاء الاستجابة في حالات أخرى نوعا من التعلم، أي تعلم الكف عن القيام بعمل ما لا يقترن بتدعيم.

قانون تعميم المثيرات: انتهى بافلوف إلى هذا القانون بعدما لاحظ أن الكلاب في أول الأمر تستجيب بإفراز اللعاب لجميع المثيرات التي تشبه المثير الشرطي من بعض الوجوه، فالكلب الذي تعلم أن يسيل لعابه عند سماع الجرس، قد يسيل لعابه أيضا عند سماعه نغمات تقترب من نغمة الجرس... وكلما زاد التشابه والتقارب بين المثير الشرطي والمثير الأصلي زادت قوة الاستجابة الشرطية وكانت أكثر بقاء.

ويتلخص قانون تعميم المثيرات في انتقال أثر المثير أو الموقف إلى مثيرات أو مواقف أخرى تشبهه، فمن لدغه ثعبان يخاف من رؤية الحبل الشبيه بالثعبان، وهذا يعني أن العادات التي اكتسبناها في موقف معين يميل أثرها إلى أن ينتقل إلى مواقف أخرى شبيهة بالموقف الأول، وكلما زاد هذا التشابه كان احتمال انتقال الأثر كبيرا.

قانون التمييز: التمييز والتفرقة بين المثير الأصلي والمثيرات الأخرى الشبيهة به نتيجة تدعيم المثير الأصلي وعدم تدعيم المثيرات الشبيهة به، ويبدو أثر هذا القانون في مظاهر كثيرة حيث لوحظ أن أحد الكلاب قد تعلم أن يميز بين نغمات ترددها 800 و 815 و 830 ذبذبة في الثانية، إذ أصبح يستجيب فقط للمثير الذي نال التدعيم للنغمة التي ترددها 815 ذبذبة في الثانية ولا يستجيب لبعضها الآخر، كذلك الحال للطفل الصغير الذي يسمي كل رجل يراه بـ بابا، لكنه بفضل تدعيم من البيئة لا يلبث أن يصحح هذا التعميم ولا يطلق هذا اللفظ إلا على أبيه فقط، فالطفل يعمم أولا ثم يميز الأشياء تدريجيا.


الصنف الثاني، النظرية الجشطالتية:  يرجع أصحاب هذا الصنف التعلم إلى عملية الفهم والتنظيم والاستبصار، أي أن حل مشكلة ما يقوم على الملاحظة وإدراك العلاقات، وهذا ما يسمى التعلم بالاستبصار، ويشترط فيه أن تكون عناصر الموضوع جميعها واضحة ماثلة أمام المجال البصري، بحيث إذا كان للحيوان قدرة على الملاحظة وإدراك العلاقات تسنى له أن يحل المشكلة دون تخبط وعناء وعلى هذا الأساس يقوم التعلم حسب أصحاب هذه النظرية على الفهم الكلي للموقف بأجمعه لا لأجزائه على حدا، إذ أنه لا يتضح في تعلم الحيوانات الدنيا لأن ليس لها قدرة على الملاحظة والفهم كما أنه لا يظهر لدى ضعاف العقول، ذلك لأن الاستبصار يتوقف على مستوى الذكاء والسن والخبرة.

وقد أجرى أتباع هذه المدرسة تجارب عديدة وكان من أبرزها تلك التي أجراها كوهلر على القردة العليا، حيث كان يأتي بأحد القردة العليا (الشمبانزي) وهو جائعا، فيضعه في حظيرة يتدلى من سقفها ثمرات الموز حيث أن الحيوان لا يستطيع الوصول إليها بذراعه أو بالوثب عليها، كما وضع عدة صناديق فارغة تقع في مجال إدراك الحيوان.

بدأ الحيوان بمحاولات كثيرة للحصول على الموز لكنه لم ينجح وكاد يستسلم، وفجأة اندفع إلى أقرب صندوق ووضعه أسفل الموز ثم وثب عليه فلم يفلح، ثم فجأة اندفع إلى صندوق ثان فوضعه على الأول لكنه لم يفلح حتى إذا وضع صندوق ثالثا ثم توصل إلى الموز فرحا بها، أعيدت عليه التجربة في اليوم الثاني لم يلبث إلا ثوان قليلة وعدا الصناديق وتحصل على الموز.
والاستبصار عند المدرسة الجشطلت هو الإدراك أو الفهم الفجائي لما تنطوي عليه المشكلة من دلالة ومعنى بعد محاولة فاشلة تطول أو تقصر، الإدراك الفجائي لما بين أجزاء الموقف الكلي من علاقات أساسية، أي أجزاء الموقف الكلي في تجارب القردة، وهي القرد الصناديق والموز، ومما تجدر الإشارة إليه هو أن عناصر الموقف إن لم تكن في مجال إدراك الحيوان لجأ إلى التخبط أو تعذر عليه حل المشكلة.

واستنادا إلى ما سبق ذكره، يكون التعلم بالاستبصار عملية تنظيم وفهم كلي للموقف بأجمعه لا لأجزائه، وهذه نقطة هامة أساسية تميز نظرية الجشطلت عن النظريات الترابطية التي ترى أن التعلم يتلخص في عقد روابط بين المثيرات واستجابات، وترى من جهة أخرى أن الاستبصار لا يمكن أن يقوم على التخبط الأعمى الخالي من الملاحظة والتفكير والذكاء... وهكذا يكون التعلم عند الجشطلتيين نوعا من التفكير والذكاء والابتكار، أو على حد قولهم نوعا من الاستبصار يحدث نتيجة فهم وإدراك لما بين أجزاء الموقف الكلي من علاقات أساسية تساعد على بروز الحل.

التعلم بالمحاولة والخطأ: هذا الصنف من التعلم هو نوع عام من التعلم المقصود أو غير المقصود يستخدمه الإنسان والحيوان عندما تعوزهما الخبرة أو الذكاء لحل مشكلة ما، وبعبارة أخرى نقول إنه نوع يستجيب فيه الفرد للمعالم العامة للموقف بمحاولات عشوائية مختلفة متنوعة، ثم تزول الاستجابات الفاشلة تدريجيا وتثبت الاستجابات الناجحة حتى يقع الفرد على الحل مصادفة.

ويعتبر ثروندايك من أهم الباحثين في هذا المجال حيث أجرى تجارب عديدة على أنواع مختلفة من الحيوانات منها: القطط، الكلاب الأسماك والقردة، قصد دراسة قدرتها على التعلم، فمن تجاربه المشهورة وضع قط جائع في قفص لا يمكن فتح بابه إلا بالضغط على لوحة خشب، ثم إغواؤه بقطعة من السمك خارج القفص.

لاحظ ثروندايك في هذه التجربة الأولى أن القط تتغير حالته ويصبح عنيفا متهيجا ومضطربا، يعض قضبان القفص كما يحاول إقحام جسده بينها... ويأتي بحركات عشوائية فاشلة ويستمر في ذلك حتى تمس مخالبه أو أجزاء من جسمه لوحة الخشب فيفتح الباب، ثم يندفع إلى الخارج ليأخذ قطعة السمك، كان ثروندايك يسجل الزمن الذي يمضيه القط في محاولاته الثانية والثالثة ثم الرابعة وهكذا حتى يستطيع الحيوان تعلم فتح الباب، أي الخروج من القفص بمجرد وضعه دون محاولات أو خطأ، وهنا يقول: إن القط اكتسب عادة فتح الباب أي تعلم القط الوصول إلى هدفه دون محاولات.

وانطلاقا من هذه التجربة وأمثالها انتهى ثروندايك إلى ما يلي:

-         إن الحركات العشوائية الفاشلة التي يأتي بها الحيوان تزول بالتدريج وببطء في محاولاته المتكررة.
-         يتناقص الزمن الضروري لخروج الحيوان من القفص تناقصا غير ثابت أو منتظم.

ثم بعد ذلك ذهب يتساءل هل يتعلم الحيوان عن طريق التفكير أم عن طريق التخبط الأعمى الذي لا يقوم على الملاحظة والفهم وإدراك العلاقات؟. وما لبث ثروندايك حتى استبعد الفرض الأول لأن منحنيات التعلم وجدها تدل على تحسن تدريجي غير منتظم ولا تشير إلى أن الحيوان قد انتقل انتقالا فجائيا من حالة الجهل والتخبط إلى معرفة حل المشكلة، فلو كان كذلك يقول ثروندايك: لاستطاع الحيوان حل المشكلة بسرعة حين تعاد عليه التجربة، ثم توصل بالحجة إلى أن الحيوان لا يتعلم عن طريق الملاحظة والتفكير، بل عن طريق التخبط الحركي الأعمى الذي تزول فيه الحركات الفاشلة بطريقة آلية تدريجية وتثبت الحركات الناجحة حتى يأتي الحل مصادفة، وسمى ثروندايك هذا التعلم الإنساني والحيواني بالتعلم بالمحاولة والخطأ.

قوانين ثروندايك: توصل ثروندايك انطلاقا من التجارب العديدة التي قام بها على الحيوانات إلى بعض القوانين التي تفسر عملية التعلم بالمحاولة والخطأ ومن أهمها نذكر ما يلي:

قانون التكرار: اعتقد ثروندايك في أول الأمر أن التكرار يقوي الروابط العصبية بين المثيرات والاستجابات ويسهل حدوث السلوك فأداء عمل معين يسهل أداءه في المرات التالية، ويقلل من احتمال الخطأ في أدائه، غير أنه سرعان ما تبين له أن عامل التكرار لا يفسر عملية التعلم، فالحيوان يكرر الحركات الخاطئة أكثر بكثير من الحركات الناجحة، والذي يثبت هو الحركات الناجحة، فاستنتج من ذلك أن التكرار وحده لا قيمة له، وأن التعلم لابد أن ينطوي على عامل آخر يقوي الرابطة في حالة النجاح ويضعفها في حالة الفشل، وصاغ هذا العامل الجديد في قانون سماه قانون الأثر.

قانون الأثر: اتضح لثروندايك بعد التجارب العديدة التي قام بها أن الحيوان يميل إلى تكرار السلوك الذي يتبعه ثواب، كما يميل إلى ترك السلوك الذي يتبعه عقاب، فالاستجابة الناجحة في موقف معين تقترن بحالة الرضا والارتياح، وهذا ما يقوي الرابطة بين المثير والاستجابة الناجحة مما يؤدي إلى تثبيتها وتذكرها حين يتكرر الموقف، أما الاستجابة الفاشلة فتقترن بعدم الرضا والارتياح، الأمر الذي يقلل من احتمال حدوثها ... وهكذا توصل ثروندايك إلى هذا القانون الذي يعتمد أساسا على أن الثواب يحمل الفرد على تكرار ما أثيب عليه، لأنه يقوي الرابطة بين المثير والاستجابة دائما، غير أن هذا لا يعني أن العقاب لا أثر له في التعلم على الإطلاق، فالطفل الذي لسعه موقد النار يتعلم تجنبه كلما تكرر الموقف، أي ينزع إلى ترك السلوك الذي يتبعه عقاب.

وحوصلة القول أن الثواب والعقاب حسب ثروندايك يقومان بدور جوهري في التعلم وذلك بتشجيع الاستجابة المرغوبة وإثابتها واستهجان الاستجابة غير المرغوبة وعقابها.

وإلى هذا الحد نكون قد استعرضنا ثلاث نظريات للتعلم، ترى الأولى أن التعلم ترابط شرطي يفسره قانون الاقتران المتأني والمتتابع، والثانية ترى أن التعلم استبصار يفسره قانون تنظيم المجال الإدراكي، والثالثة أرجعته إلى محاولات وأخطاء يفسره قانون الأثر.

وانطلاقا من هذا الاختلاف يتضح لنا أنه ليس في علم النفس نظرية واحدة أو رأيا واحدا يفسر مختلف أنواع التعلم، وعلى الرغم من هذا الاختلاف فإنه يمكننا الاستفادة من كل واحدة ذلك لأن التعلم عملية شديدة التنوع لأنها تتصل بكل تغير يطرأ على أفعالنا وأفكارنا وحالاتنا النفسية الشعورية واللاشعورية كما أنها على درجات مختلفة من التعقيد، بيد أن ما نستطيع قوله على الرغم من اختلاف هذه النظريات الثلاثة في تفسير عملية التعلم: أنها جميعا تتفق على المبادئ الأساسية لحدوث التعلم والتي هي كما يلي: لا تعلم دون دافع، لا تعلم دون تدعيم، التعلم نشاط ذاتي يقوم به المتعلم نفسه.