‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تعليم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 مارس 2014

تعليم القراءة

تلعب القراءة دورا كبيرا في حياة الانسان الصغير والكبير، انها مفتاح المعرفة، وأساس العلم، واحدى الوسائل الهامة التي تطلعنا على ما يجري في العالم، بها نتغلب على عوائق الزمان والمكان، ونستطيع الاتصال بالتراث الثقافي المكتوب، والاطلاع على مظاهر الحضارة الفكرية، واكتشاف وقائع المحيط المادي والاجتماعي، انها الأداة التي تمكن الطفل من الاستفادة من محيطه الثقافي ومن النجاح في التعلم المدرسي، والتكيف مع الحياة المعاصرة، ولهذا كان التدريب على القراءة أهم الانشطة اللغوية التي تعنى بها المدرسة منذ أن يلتحق الأطفال بها، بل تحرص بعض الأنظمة التربوية على أن توفر تعليما تمهيديا لأطفال ما قبل المدرسة تبدأ تهيئتهم لهذا النشاط اللغوي الهام الذي يعتبر أساس الانشطة الأخرى، لأن عملية القراءة عملية صعبة تقوم أساسا على معرفة الرموز والاشارات، وفهم مدلولاتها، وقد يكون الأطفال غير مهيئين لذلك خاصة إذا كان البيت الذي ترعرعوا فيه يسوده الجهل، وتنعدم فيه الرعاية والمنبهات الثقافية.

ولهذا ينبغي أن يعلم المعلمون أن معظم الأطفال الذين يكلفون بتعليمهم، يعرفون شيئا من اللغة الشفهية ولكنهم يجهلون كل شيء عن اللغة الكتابية، ومن هنا وجبت العناية بالناحيتين معا، أي بتعليم اللغة الشفهية بواسطة دروس المحادثة والتعبير، وبتعليم اللغة الكتابية بواسطة القراءة والكتابة، ومن المعلوم أن اللغة الكتابية أساسها الرموز والاشارات التي نرسمها ونتعامل بها في حياتنا الإدارية والثقافية، أو نتراسل بها، ووظيفة هذه الرموز تبليغ الأوامر والافكار، وتحقيق التواصل والتفاهم بين الناس مثلها مثل الاشارات الخطية والضوئية والرسوم التي تثبت على لوحات الطريق وواجهات المحلات، ولا يستطيع الفرد الاستفادة من هذه الرموز الكتابية الا إذا عرفها، وفهم مدلولها، وطريقة استعمالها.

وأهم مادة لغوية تدرب الانسان على فهم هذه الرموز وطريقة التعامل بها هي القراءة، ومن هنا تحتل القراءة مكانا بارزا في كل نظام تعليمي، ومن هنا أيضا وجب على المدرسة أن تسارع بتعليم الاطفال منذ التحاقهم بها: مفاتيح القراءة والكتابة.
ولكن ما معنى القراءة؟ أو متى نقول عن الشخص أنه أصبح قادرا على القراءة ؟ فالقراءة (عملية بصرية صوتية ادراكية) عناصرها: الرمز واللفظ والمعنى، فالتعرف على صورة الكلمات وتمييز بعضها من بعض والنطق الصحيح بها، وفهم ما تشير إليه من معنى هو مدلول القراءة بالنسبة إلى المبتدئين.

ويتضح من هذا التعريف أن القراءة لا تتم إلا إذا تحقق الادراك، وحصلت الاستجابة، وهذا بدوره مشروط بمعرفة الرموز ومدلول الكلمات.

ونستطيع أن نصف الشخص بالقدرة على القراءة إذا كان في مقدوره تحويل الرموز إلى أصوات على مستوى الآداء، وتحويل الرموز إلى معان على مستوى الفهم، أي عندما يكون قادر على تحويل المكتوب إلى منطوق، والمنطوق إلى معنى.

هذا هو مفهوم التقليد للقارئ والقراءة ولكننا نتجاوز هذا المفهوم مع الصفوف العليا حينما يصبح الاهتمام منصبا على الفهم، وليس على الأداء، ووقتها ننتقل مباشرة من الرموز إلى المعاني كما نفعل في القراءة الصامتة لأن المهم أن يكون لدى التلميذ قدرة على استيعاب مضمون المقروء والاستفادة من هذا المضمون، وهذا هو الذي يجب الحرص عليه منذ بداية التدريب على القراءة.

ومن المعلوم ان القراءة لا تتم بمعزل عن الكتابة، ولذا يجب ان يدرب الطفل منذ البداية أيضا على أوليات الكتابة حتى يصبح في مقدوره بعد فترة وجيزة تحويل المعنى إلى رمز كتابي متعارف عليه، وللوصول إلى هذا يجب اعداد وسائل مختلفة، والقيام بأنشطة متعددة يدفع التلميذ إلى ممارستها لتمكينه من امتلاك صورة الرموز وطريقة تنظيمها والنطق بها.

ولهذا يجب أن تكون البرامج المخصصة لتعليم القراءة لتلاميذ السنة الأولى موزعة على ثلاثة فترات أساسية:
فترة ما قبل القراءة  ، وفترة التدريب على مفاتيح القراءة، وأخيرا: فترة التدريب على ممارسة القراءة.

1-      فترة ما قبل القراءة:
تخصص هذه الفترة التمهيدية لتهيئة الطفل واعداده نفسيا ولغويا وحركيا للشروع في عملية القراءة، ومن المعلوم أن الطفل لا يقبل على تعلم القراءة إلا إذا كان لديه استعداد لتعلمها، وكثير من أطفالنا يفقدون هذا الاستعداد، ومن هنا وجب تخصيص فترة تدوم، على الأقل شهرين، تكرس لتصحيح النطق، وللتدريب على القراءة الإجمالية، ولتنمية المحصول اللغوي الذي يصبح قاعدة القراءة فيما بعد، وتسعى هذه الفترة إلى تحقيق بعض الأهداف، أهمها:

أ ـ أن تجعل الطفل يألف سماع الاصوات والنطق بها في تسلسل زماني ومكاني.
ب ـ أن تجعله يدرك حدود الكلمة وشكلها العام تمهيدا لإدراك عناصرها.
ج ـ أن تجعله يشعر بأن كل كلمة مكتوبة ترمز إلى كلمة منطوقة، وأن لهما نفس المعنى.
د ـ أن تحيطه بجو لغوي (مسموع ومكتوب) يخلق فيه الاستعداد للقراءة والرغبة في تعلمها.
-          أن تعود العادات العملية الحسنة وندربه على التكيف مع الجماعة.
وقد روعي تحديد النشاط الخاص بهذه الفترة مجموعة من الاعتبارات، نذكر أهماها:
الاستعداد للقراءة: لا يقبل التلميذ على تعلم القراءة إلا إذا كان لديه استعداد لتعلمها، ولذا وجب تخصيص مجموعة من التدريبات التمهيدية لتوفير هذا الاستعداد قبل البدء في عملية القراءة.
النطق الصحيح: يتوقف النجاح في القراءة على القدرة على النطق والتمييز بين الأصوات التي تتركب منها الكلمات، ولذا كان لا بد من تدريب التلاميذ فترة زمنية على النطق والأداء الاجمالي حتى نهيئهم للقراءة.

الفهم أساس القراءة:
لا يمكن للتلميذ أن يفهم ما يقرأ إلا إذا قرأ ما يفهم ومن هناك وجب تنمية المحصول اللغوي الذي نتخذه قاعدة للقراءة فيما بعد، لأن مادة القراءة هي الرصيد اللغوي الذي نتعامل به يوميا، لذا وجب تخصيص في هذه الفترة رصيد من المفردات والتراكيب تتعلق بالطفل وبمحيطه الضيق (المنزل، الشارع، المدرسة، الأدوات والاوضاع التي يكون عليها)، ويفضل أن يكون هذا الرصيد من الألفاظ المألوفة والقريبة من فهم الطفل، كما يجب أن تدعم بمشخصات توضح مدلولها، لأن الرمز لا يدرك مدلوله في البداية إلا إذا اقترن بالمدلول أو بما يوضحه.
مكونات الجملة:
تقوم القراءة الحقيقية على معرفة مكونات الجملة (الكلمات)، وهدف القراءة الاجمالية في هذه المرحلة تدريب التلاميذ على معرفة حدود الكلمة وشكلها العام تمهيدا لمعرفة عناصرها (الادراك الاجمالي قبل الادراك التفصيلي).
علاقة الرمز بالصوت:
يقوم تعلم القراءة على أساس أن كل كلمة مكتوبة ترمز إلى كلمة منطوقة ولها نفس المعنى، والتدريب على القراءة بالبطاقات يحقق هذا المعنى، ويجعل التلميذ يدرك الارتباط الموجود بين الصورة الكتابية والصورة الصوتية.

التكرار أساس التعلم:
لا يستطيع الشخص أن يستفيد من المواقف التعليمية التي تمر به إن لم تتكرر هذه المواقف ويتفاعل معها ومن هنا نرى أن المعارف التي نريد اكتسابها والمهارات التي نرغب في تعلمها لا ترسخ ولا تثبت إلا إذا مارسناها وكررنا هذه الممارسة، فالذاكرة لا تستطيع أن تحتفظ بصورة الشيء المرئي أو الكلمة إن لم تتكرر الرؤيا وتتعدد الممارسة فالإنسان الذي يرى شخصا مرة واحدة ثم يعترض طريقه بعد ذلك قد لا يتذكر اسمه أو صورته وخاصة إذا مرت فترة طويلة على الرؤيا الأولى، ولكنه إذا رآه أكثر من مرة ارتسمت صورته في ذاكرته وقفز اسمه إلى لسانه كلما رآه أو رأى ملامح شبيهة بملامحه ومن هنا نؤكد أن الذاكرة تلعب دورا أساسيا في عملية القراءة ولذلك يصبح تكرار التدريب أساسا من أسس تعلمها.

وهكذا تصبح هذه الفترة التمهيدية فترة إعداد شاملة تهيء أطفالنا لبداية التعلم وتوقظ فيهم الاهتمام بالقراءة والرغبة في التعرف والاكتشاف، إنها ضرورية جدا وخاصة بالنسبة للأطفال الذين لم يستفيدوا من التعليم التحضيري أو لمن هم أصغر سنا، ولا بد من الاشارة هنا إلى أن التلميذ في هذه الفترة لا يمارس التعرف على الرموز الكتابية كحروف وأصوات وإنما يدرب على سماع الكلمات والجمل ورؤيتها وملاحظة أشكالها والنطق بها إجماليا دونما تهج أو تحليل، وعلى تكوين صور حسية لمعاني العبارات المتداولة حتى ترتبط في ذهنه الألفاظ بمعانيها، ويتم التدريب بواسطة رسوم وبطاقات أعدت خصيصا لتقديم الكلمات والتراكيب التي يتكون منها برنامج القراءة الاجمالية في هذه الفترة.

وينبغي أن يحرص المعلم من خلال هذا البرنامج على تمكين التلاميذ من التمييز بين أشكال الكلمات ومن معرفة الأثر الذي يحدثه ترتيبها في شكل جمل مفيدة ومن النطق بها نطقا سليما، لأن النطق السليم يساعد على فهم المعنى ويهيئ الحواس للتمييز بين الأصوات الذي هو أساس القراءة وشرط ضروري لها.             

الجمعة، 28 فبراير 2014

تعليم اللغة لتلاميذ السنوات الأولى في المدرسة

يهدف تعليم اللغة في هذه المستويات إلى إكساب المتعلمين القدرة على التبليغ والتواصل بلغة عربية صحيحة وإلى مساعدتهم على الانتقال من المحيط العائلي إلى المحيط الخارجي وفهم وقائع هذا المحيط، بقصد التهيؤ للاندماج في المجتمع والتكيف معه.

ولتحقيق ذلك يجب على البرامج التعليمية أن تحدد المهمة الأساسية واليومية التي يجب أن بقوم بها المعلمون والتي تتمثل على الخصوص في تصحيح وتنظيم تعابير الأطفال التي أتوا بها من بيوتهم، والحرص على تنميتها وإثرائها تدريجيا، وبكيفية تماشي و حاجة الأطفال إلى استخدام اللغة، ولهذا الغرض يجب أن تجعل البرامج مكتسباتهم السابقة مادة للتدريب على التعبير، ومنطلقا لاكتساب القدرة اللغوية.

ولا شك في أن اكتساب اللغة أمر مرهون باستعمالها وفهم طريقة استعمالها، فالشخص الذي لا يمارس اللغة ولا يفهم الأوضاع المحدثة لها لا يتعلمها ولا يدرك نظامها، ومن المعلوم أن الشخص لا يمارس اللغة ممارسة صحيحة وواعية إلا إذا أحس بالحاجة إلى ذلك، وكان في موقف يدفعه للكلام، وفي محيط يوفر له سماع النماذج التعبيرية الصحيحة وفرص التدريب على محاكاتها واستعمالها في مختلف المواقف، ومن هنا كانت المحاكاة بداية طبيعية لتعلم اللغة، وأسلوب عمليا يكسب المتدرب على استخدامها.

وبما أن استعمال اللغة العربية الصحيحة استعمالا عفويا غير متيسر لأبنائنا خارج المدرسة نتيجة التباين القائم بين لغة التخاطب ولغة الكتابة من جهة، واستمرار نفوذ اللغة الأجنبية  في كثير من المجالات الحية من جهة ثانية، تحتم علينا توفير ظروف تعليمية ندفع التلاميذ بواسطتها إلى التعبير التلقائي، والاستعمال العفوي، وتحتم أيضا تخصيص فترات للتدريب الموجه الذي نسعى من وراءه إلى تمكين أبنائنا من استخدام لغتهم في مواقف مطابقة للمواقف التي يحيونها يوميا.

ولعل المعلمين يعلمون جيدا أن المهام التي يجب أن يضطلعوا بها في هذا المجال تتركز على تعليم الأطفال القراءة والكتابة والتعبير باعتبارها وسائل التعلم وأدوات اكتساب المعرفة، فالتلميذ الذي اكتسب القدرة على القراءة والكتابة ونمى قدرته على التعبير يمكنه أن يدخل عالم المعرفة ويكتشف وقائع المحيط، ويتعلم أشياء كثيرة وعلوما مختلفة.

وإذا كان هذا صحيحا فيجب أن تبذل الكثير من الجهود منذ البداية المدرسية، لتمكين أطفالنا من هذه الأدوات التي لا يمكنهم أن ينالوا حقهم من التعلم إلا بها، ولا يخفى أن التلميذ الذي ضاعت منه فرص التعلم في السنتين الأوليين ولم يمكن خلالهما من إتقان القراءة والكتابة واستخدامها كوسيلتي اكتشاف وتعلم واتصال، يصعب عليه أن يتعلمهما بعد ذلك، إن لم يفرد بالعناية الخاصة والتدريب المركز، وسيحرم نتيجة ذلك من الاستفادة من الخدمات التعليمية التي توفرها الدولة وتنفق من اجلها الكثير، ونستخلص مما سبق أن الطريقة التي نعلم بها اللغة للمبتدئين يجب أن تستوفي الشروط التالية:

أ – أن تتيح للتلميذ فرص التدريب على ممارسة اللغة في مختلف المواقف، وتزيل عنه دواعي التهيب والخجل.
ب – أن تكون الظروف التي يتم فيها تعليم اللغة أقرب ما تكون إلى الظروف الطبيعية.
ج – أن تخلق الرغبة في ممارسة اللغة، وتشجع المحاولات التي يبديها الأطفال في هذا الصدد.
د – أن تراعي طبيعة النمو اللغوي عند الأطفال بحيث تركز على الفهم أولا والاستعمال ثانيا، وعلى التكامل بين الاستعمال التلقائي والاستعمال الموجه.
هـ – أن تعتمد الوسائل المثيرة والمساعدة على تشخيص الأحداث والأوضاع والعلاقات والتي تتخذ منطلقا للتدريب على استعمال اللغة.

وما ينبغي أن يعلمه المعلمون في هذا الصدد، هو أن الطريقة التي يجب اعتمادها في تعليم اللغة يجب أن تسعى إلى الجمع بين الممارسة التلقائية والممارسة الموجهة في نفس الوقت، غير أن الممارسة الموجهة تفرض تخطيطا منهجيا تحدد بمقتضاه الأهداف التي يجب بلوغها في كل مستوى، والمفاهيم والتراكيب والمهارات التي تعلم في كل سنة، على أن يربط كل ذلك بمستوى إدراك المتعلم وحاجاته من جهة، وبالواقع الاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية، وهذا ما يجب الحرص عليه عند بناء أي برامج تعليمية وتحديد وسائلها.

وإذا كانت المدة الزمنية القصيرة المحددة لانجاز برامج تعليمية في عمل ضخم لم تسمح بالقيام بتحريات لغوية دقيقة، وباستخدام منهجية علمية، في حصر لغة الأطفال، وتحديد التراكيب الأساسية، التي يستخدمونها، والمفاهيم والمهارات التي يحتاجون إليها، والموضوعات التي يتجاوبون معها، فلا يجب الانطلاق من فراغ ولا يجب أن تخلوا هذه البرامج من أية منهجية، بل يجب الاعتماد في تحديد برامج التعبير، وضبط الحصيلة اللغوية، قائمة الألفاظ ومجالات المفاهيم من قبل اللجنة القائمة على الرصيد اللغوي، ويجب اعتماد أراء المعلمين والمرشدين الذين يتم استجوابهم لهذا الغرض، والخبرة المجتمعة لدى كل الأعضاء المساهمين في إنشاء هذه البرامج، وأخيرا يجب القيام  بتحليل نظري لاستوضاح التداخل الموجود بين اللغة الفصحى واللغة العامية من جهة أخرى، وبين لغة الكبار ولغة الصغار من جهة ثانية، وهكذا يمكن تحديد الحصيلة اللغوية التي ستكون قاعدة لتعليم اللغة في المراحل الموالية، والتي يجب أن يراعى فيها هي الأخرى القدر المشترك بين استعمالات الكبار والصغار من جهة، وبين التعبير الصحيح والعامي من جهة ثانية، ونستطيع القول إن الحصيلة اللغوية الخاصة بالسنة الأولى يجب أن تكون موضوعة على أساس مكتسبات الأطفال السابقة، وعلى ما يكثر استعماله في محيطهم (لفظا أو مدلولا)، إنها البديل الذي يحتاجونه في تصحيح تعابيرهم، وتنظيم لغتهم، وإثراء خبراتهم في مجال التبليغ والتواصل، إن معظم التراكيب التي يتكون منها برنامج التعبير يجب أن تكون موجودة ضمن قاموس الأطفال، ويمارسون التعبير بها في حياتهم اليومية، ولكن بكيفية تختلف قليلا عن الاستعمالات الأصلية، وينبغي أن يعلم المعلمون أن ما يحدد لهم في البرامج وما يحدد لهم ليس حصرا شاملا، ولا نهائيا لكل ما ينبغي أن يستعملونه أو يكسبونه للأطفال في مجال اللغة، إنما هو الحد الأدنى، لما ينبغي أن يعتمده المعلمون بمثابة منطلق لتصحيح تعابير الأطفال، وتدريبهم على استخدام العربية استخداما سليما، ويمكن أن يضيفوا إليه ما يرونه ملائما، أو ما يرون أن تلاميذهم بحاجة إليه، لأن الرصيد اللغوي الحقيقي هو ما يعبر به الأطفال، وما يستعملونه تلقائيا في حصص التعبير، أو في المواقف التي تفرض التعبير، لأننا من خلال ذلك نتبين احتياجاتهم اللغوية الحقيقية، والثغرات الموجودة في تعابيرهم، ووقتها نستطيع تصحيح الاستعمالات غير الصحيحة أو تعويضها أو مدهم بالتعابير التي تعوزهم، والتي أظهرت المواقف أنهم بحاجة إليها إلخ...

وبهذا نعتقد أن المنهجية التي يجب اختيارها في إنشاء البرامج التعليمية لتعليم اللغة، يجب أن تكون مساعدة على توضيح الطريق أمام المعلمين وإلى تغيير نظرتهم إلى تعليم هذه اللغة، وبذلك تكون هذه البرامج قد ضمنت لتعلم اللغة جوا ملائما، ومنطلقا صحيحا.

ونظرا لأهمية تعليم اللغة العربية بالنسبة لتلاميذ السنوات الأولى وبخاصة السنة الأولى يجب تخصيص البرامج الرسمية بنصف الوقت للتدريب عليها حديثا وقراءة وكتابة.

الأربعاء، 26 فبراير 2014

اللغة والهوية



إن مسالة اللغة وعلاقتها بالهوية أخطر وأعمق من أن نعالجها في سطور قليلة ، فالهوية هي الوجود نفسه ،هي مكانة الشعب والأمة بين بني البشر ، هي الانتماء إلى طائفة أو حضارة معينة ، هي الاستمرارية هي الحاضر والماضي والمستقبل .

إن التاريخ قديمه وحديثه ، يؤكد لنا بأن كل الصراعات والحروب التي عرفتها البشرية إنما قامت على أساس الصراع بين اللغات وبين الهويات المختلفة ، و الاستعمار بمختلف أشكاله عمل دوما على طمس هوية الشعوب المستعمرة من خلال محاولته القضاء على لغات تلك الشعوب ، لأنهااللغة (المقوم الأساسي والمخزن الخاص لقيمها وثقافتها ، وهي الوسيلة الفعالة التي تمكن من تفكيك قواها من داخلها واحتوائها عاطفيا وفكريا ، وبالتالي التحكم في مصيرها فتصبح تابعة له خاضعة لسيطرته.

إن أهمية اللغة في المجتمع هي في كونها عاملا للحفاظ على استمرارية التاريخ والحضارة  وعاملا مؤثرا على ما يمكن تعلمه .

إن أي تغيير للغة يؤدي إلى قطع هذه الاستمرارية والصلة بآثار الأجداد ، مما يؤدي إلى ظهور شعب يجهل تاريخ ماضيه ولا يتعرف إلا على ما يترجم له إلى اللغة الجديدة ، وبالتالي يتم القضاء على إحدى مقومات شخصيته ، ويسهل التأثير عليه.

ولعلنا ندرك أهمية اللغة في محافظة الإنسان على هويته واستمرار تاريخه ، أو طمسهما وقطع علاقته بهما ، إذا نظرنا إلى واقع الإنسانية اليوم ومن ذلك مثلا :

إن الشعب الأمريكي شعب مكون من جنسيات مختلفة ومتباينة ، لكنه انصهر في قالب واحد هو اللغة الإنجليزية ، فأصبح الأمريكي يعتز بهويته وجنسيته ولغته.

هذا يعني أن اللغة عامل مهم في توحيد أفراد المجتمع ، وهي التي تحمل هويته وانتماءه

وحسب الأستاذةخوله طالب الإبراهيمي ، فإن الجزائري والمغربي بصفة عامة يبني هويته بالاعتماد على مرجعيات لغوية وثقافية ثلاث .

1 - الهوية القاعدية أو الأساسية وهي المعبر عنها باللغة الأصلية « identité de base » عربية أو بربرية لغة الفرد في عائلته أو قريته أو ناحيته ، ويبقى متمسكا بها حتى في حالة
هجرته إلى ناحية أخرى أو حتى إلى دولة أخرى.

2 - المرجعية الثانية هي الانتماء إلى الوطن الجزائر باعتباره فضاء موحد ، وإلى الأمة العربية وإلى الفضاء الأكثر اتساعا هو العالم الإسلامي المغذي بالتضامن الإسلامي والوحدة العربية وتعمل على تقوية الشعور بالانتماء إلى فضاء حضاري إسلامي دعامته هي اللغة العربية.

3- وثالث مرجعية هي ما تعتمد على مختلف اللغات الأجنبية التي كانت الشعوب المغاربية على اتصال بها  خاصة اللغة الفرنسية التي تعتبر أهم لغة بإعتبار المدة.

هذه المرجعيات الثلاث للهوية متعارضة  ومتناقضة ، ويظهر ذلك بوضوح في سلوكات الأفراد والجماعات المنتمية لكل مرجعية ، ونعتقد أن العامل الرئيسي لهذا التناقض هو اختلاف اللغة ، فالمجتمع الجزائري مقسم إلى مجموعات حسب اللغة المستعملة  قد لا تتفق مع بعضها البعض في كثير من الآراء والمواقف ، وما الأحداث الأخيرة التي شهدها المجتمع إلا دليل واضح على صحة ما ذهبت إليه الأستاذة خولة ، ونتفق معها نحن أيضا في ذلك .
ونورد هنا مثالا - مع بساطته وسذاجة صاحبه - يبين بوضوح مدى ارتباط اللغة بالهوية ، وهو أن طفلة نشأت في بيت أهل أمها الذي كان أصحابه يستعملون اللهجة القبائلية ، فتعلمت تلك اللهجة ولم تكن تحسن سواها ، غير أن أباها كان يخاطبها باللهجة العربية لأنه لا يحسن القبائلية هذا الوضع جعل الطفلة تسأل أمهاهل فلان   جار يتكلم اللهجة العربية  أخو أبي ؟
إن المجتمع الذي تسود فيه عدة لغات أو لهجات هو مجتمع هش البنيان  ، ضعيف الركائز وإذا أردنا إصلاح ما فسد في مجتمعنا ، علينا أن نربط أجيالنا بتراثنا العربي الإسلامي الذي ارتبطنا به فكرا ولغة وعقيدة وثقافة وتاريخا ، ويحتم علينا ذلك أن تكون لغة الثقافة التي نتعلم بها هذا التراث ، هي اللغة التي تبقى وتحافظ عليه ، وتعمل على نشره وازدهاره بين أبنائنا وبناتنا ونعني بها اللغة العربية .



















مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير تحت عنوان المحيط اللغوي وأثره في اكتساب الطفل اللغة العربية الفصحى من إعداد محمد الهاشمي.2005/2006