‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلوك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السلوك. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 15 فبراير 2015

تحليل الشخصية في علم النفس

التعرف على أن موضوع الشخصية يكاد يكون قمة الدراسات النفسية الحديثة المختلفة، لأنها تمثل ملتقى الجهود العلمية في البحوث النفسية، كما أنها الشخصية المتكاملة فهي الهدف العلمي التطبيقي لكل تنمية بشرية في البناء النفسي الاجتماعي، وعليه فإن تحليل الشخصية في علم النفس جزء لا يتجزأ من هذا العلم.

1- المعنى اللغوي عربيا وأجنبيا للشخصية:


من الممتع والمفيد أن نستفتح هذا البحث بقراءة لغوية عربية فإنها تساعدنا حقا على الفهم العميق الشامل لمصطلح كلمة الشخصية، إنها مشتقة من شخص، وهي ذات دلالات هامة في أمهات المعاجم العربية كما يلي:

1-1- الاسم الشخص: هو الإنسان كله حين تراه من بعيد: جمعه في القلة أشخص.

2-1- الفعل: شخص : شخص الإنسان من بلد إلى آخر إذا ذهب إليه، وشخص النجم إذا طلع وأصبح مرئيا مشاهدا.

3-1- اسم فاعل شخص شاخص: إذا ارتفع وعلا وأصبح ظاهرا، فيقال شاخص البصر إذا ارتفع بصره عاليا، وشاخص العينين إذا فتح عينيه فلا يطرف وصت شاخص إذا كان عاليا جهوريا.

4-1- الصفة الشخيص: الجسيم مع بهاء وروعة وكذلك السيد.

هذه المعاني لكلمة شخص ومشتقاتها تتجمع في صفات إنسانية بارزة: فهي تعني الإنسان كله كما يراه الناس من حولهم، كما تعني صفة بارزة في العلو والارتفاع في بصره أو عيونه أو صوته، كما تفيد معاني ضخامة الجسم مع بهاء الطلعة وكذلك معاني السيادة.

ذلك هو المصدر اللغوي لكلمة الشخصية والشخص.

أما الكلمة المستخدمة باللغة الأجنبية الإنجليزية (Personality)  أو الفرنسية (Personnalité) فإنها مشتقة أساسا من اللغة اليونانية التي تعني القناع (Personne, the mask of the actor) الذي يضعه الإنسان على وجهه للتمثيل والتقليد والتصنع، وهكذا نجد أن الكلمة العربية الأكثر صدقا وشفافية من الناحية العلمية الموضوعية في الدلالة على مفهوم الشخصية في الدراسات النفسية الحديثة لتضمنها السمات الهامة الكامنة في الإنسان كله وما يميزه وليس مجرد قناع على الوجه يتبدل من حال إلى آخر ويضعه وجه إنسان أو آخر حسب أدوار التمثيل.

وهذا يعني أن هناك شخصية تتكون ابتداء ذات طابع عنصري وجماعي تتجه نحو عالم الخبرات بصورة اختيارية، كما أنها تتعدل وتتطور بفضل ما تتلقاه من خبرات، وليست شخصية الفرد سوى نتاج قوى داخلية تمارس فاعليتها حيال القوى الخارجية كما تتأثر بفاعلية هذه القوى.

تحليل الشخصية في علم النفس


وفي هذه العجالة نستعرض بعض الآراء والنظريات التي تتحدث بجلاء ودقة عن الشخصية الإنسانية، وما يتكون في أعماقها من تفاعلات سلوكية واستجابات انفعالية.



2- أهمية دراسة و تحليل الشخصية وتعريفها:


إن موضوع الشخصية من أهم مجلات الدراسة وتحليل الشخصية في علم النفس الحديث لأنها تمثل المجمع المركز أو الينبوع المتجدد للتكوين النفسي طيلة الحياة في مراحلها، لأنها تتناول الإنسان كله وهذا مبدأ هام في الدراسات التحليلية النفسية المعاصرة كما تشير إليه الأبحاث.

أما تعريف الشخصية فلقد ظهرت عدة تعاريف نفسية وكان اختلافها تبعا لتأكيد بعض الجوانب الشخصية على حساب بعضها الآخر، ومن بين التعاريف التي أوردها العلماء في الشخصية، تعريفان لعالمين أمريكيين هما: 

أ- تعريف الشخصية عند رالف لنتون:

يستعمل اصطلاح الشخصية للدلالة على المجموعة الكاملة من صفات الفرد العقلية والسيكولوجية والاجتماعية، أي مجموع القدرات العقلية للفرد ومعتقداته وعاداته واستجاباته العاطفية.

ب – تعريف الشخصية عند كلوكهون:

يعرف الشخصية بأنها ذلك التكامل الوظيفي لكل السلوك الذي يتعلمه الفرد أثناء قيامه بأدوار مختلفة، في مجموعات اجتماعية كالأسرة والمدرسة ومكان العمل، والتي تجعل منه شخصا متميزا، وتتكون شخصية الفرد في رأيه من مزيج من أهدافه وتصرفاته وآرائه وعاداته ومقاييسه الخلقية ومدى فهمه لنفسه ومقدار تقييمه لها.

يلاحظ الدكتور مصطفى فهمي (علم النفس الإكلينيكي ص 52) وهو يتحدث عن الشخصية والسلوك، أن مفهوم الشخصية لا يعني كما يعتقد البعض البحث عن إجابة للسؤال التالي: كيف يتصرف الفرد؟

فإذا قلنا أن فلانا شخص عدواني فإننا نشير إلى ما نلاحظه عليه بأنه يتصرف بطريقة تتسم بالعدوان، وفي الواقع إن مثل هذا القول إنما يصف أو يفسر فقط السلوك الظاهري دون اعتبار لمحددات الشخصية التي أدت إلى مثل هذا السلوك، ولكن التعرف على هذه المحددات ليس بالأمر السهل، لأنها تلاحظ بطريقة مباشرة ولذلك فإن سبيلنا إلى الشخصية لدرجة تستحق إيضاحا أكثر، فموضوع اتساق الشخصية من حيث الأفعال تركيب الشخصية في فهم هذا السلوك.

ولا يستند مفهوم الشخصية أساسا على الأنماط السلوكية الملاحظة بل إلى التكوينات غير الملاحظة أو كما تسمى (التكوينات الفرضية) وهذه التكوينات نحاول أن نستنتجها أو نستدل عليها من السلوك الذي يخضع للملاحظة والضبط، ومعنى ذلك أن تحديد طبيعة الشخصية ومكوناتها يعتمد على ما يصدر عن الفرد من أنماط سلوكية، ويمكن تقسيم السلوك الملاحظ إلى بعدين متكاملين هما:

التقرير اللفظي للفرد (والذي يعكس مشاعره الداخلية بدرجة كبيرة) ثم الأشكال الأخرى من السلوك الملاحظ.

لذا فإنه من الإيجاز المفيد أن نقدم التعريف الجامع الشامل الحديث للشخصية كما يلي:
 
(الشخصية هي التنظيم النفسي الإنساني المحدد الفريد الذي يتضمن مجموعة ما يمتلكه ذلك الإنسان بذاته من استعدادات وقدرات جسمية وانفعالية وإدراكية واجتماعية، بأسلوب سلوكي في المواقف المختلفة في مجال حياته العملية بحيث نستطيع التنبؤ بأنماط سلوكه الثابتة نسبيا في معالجة المواقف المتشابهة.)
          
وهذا التعريف الشامل يكاد يجمع كل السمات الشخصية وعناصرها الركنية.

والحقيقة النفسية تؤكد أن (الشخصية) هي نتاج عوامل فطرية وراثية في الجسم وبعض أجهزته العصبية والدموية والحسية، إلى جانب عوامل مكتسبة من البيئة والمجتمع وكلها متفاعلة منذ تلقيح البويضة بالحيوان المنوي الآدميين، ويستمر التفاعل مادام ذلك الإنسان حيا.

لذا فإنه قد يتطابق مفهوم الشخصية الإنسانية مع النفس الإنسانية في بعض الدراسات النفسية، فشخصية الإنسان بإيجاز هي الصورة الكاملة لسلوكه العام المنظم ولاسيما ذلك السلوك الذي يمكن لمن حوله أن يصفوه به بصورة ثابتة إنها الشخصية (صورة الإنسان في مرآة غيره من الناس).

3- أصول الشخصية ونموها:

لو نظرنا إلى الطفل الوليد لم نستطيع أن نميز في شخصيته إلا سمتين عامتين غير محددتين هما: نشاط حركي عام وتعبير انفعالي لا تتميز فيه الانفعالات عن بعضها البعض، وكلما تقدمت به الأيام بدأت حركاته تتحدد بالتدريج وانفعالاته تتمايز، وبمرور الزمن تظهر لديه سمات أخرى كالأنانية والسيطرة والعناد أو التهجم والانطواء، هذا إلى سمات جسمية وعقلية شتى حتى إذا ما استوي راشدا أصبحت سمات شخصيته من التعدد والكثرة والتعقد بما لا يمكن عده أو حصره، من هذا نرى أن نمو الشخصية يتبع قانونا عاما من قوانين علم النفس الارتقائي يسمى: قانون التمايز أو (التفرد) وفحواه أن النمو أيا كان نوعه جسميا أم حركيا أم عقليا أم اجتماعيا أم انفعاليا يسير من العام إلى الخاص ومن الكل إلى الجزء، من المجمل إلى المفصل ومن اللاتمايز إلى التمايز.

ويكون نمو الشخصية وتغيرها سريعا في السنوات الأولى من العمر ثم يأخذ في الإبطاء حتى إذا ما تجاوز الفرد مرحلة الشباب المبكر لا يكون هذا التغير ملحوظا، على أن نمو الشخصية لا يقتصر على تمايز السمات في زيادة عددها ، بل يبدو أيضا في زوال بعض السمات واختفائها أو تهذيبها، فكما أنه يبدو في اكتساب عادات واتجاهات وميولات جديدة كذلك يتضح في ترك سمات طفلية كثيرة أو تحويرها وتكييفها للمجتمع بفضل التربية والبيئة كالأنانية والاندفاع والاتكال على الغير وطرق إشباع الدوافع، يضاف إلى هذا أن النمو لا يعني مجرد زيادة في عدد ما للفرد من سمات، بل يعني فوق ذلك تنظيم هذه السمات وتكاملها، فالراشد الناضج ليس مجرد طفل كبير، كما أن الطفل ليس راشدا مصغرا، مثل نمو الشخصية كمثل نمو متجر صغير لا يتلخص في زيادة عدد متجراته أو ما به من عمال وسلع بل في تنوع هذه السلع وظهور أقسام جديدة، ونمو الشخصية كأي ضرب آخر من النمو نتيجة تفاعل الفرد وما لديه من ميراث فطري مع البيئة خاصة البيئة الاجتماعية حتى أن الشخصية أحيانا تعرف بأنها طبيعة الفرد بعد أن يحورها التفاعل الاجتماعي، هذه البيئة الاجتماعية وعلى رأسها الأسرة تعمل بكل الوسائل على تشكيل الطفل وصقله حتى يندمج في الإطار الثقافي الخاص بها فيصبح عضوا عاملا فيها معترفا به فيها، وهذا ما يسمى بعملية التطبيع الاجتماعي.




4- تحليل الشخصية في علم النفس (مكوناتها):


وأكثر المدارس اهتماما بمكونات الشخصية مدرسة التحليل النفسي حيث يرى مؤسسها فرويد أن للشخصية جوانب ثلاثة هي: الأنا، الأنا الأعلى، والهو.

1- الأنا: جانب من الشخصية يتكون بالتدريج من الاتصال بالعالم الخارجي الواقعي، فالطفل يرى اللهب جذابا فيلمسه فيشعر بالألم فيتعلم أن يتجنب اللهب ... إلخ، إذ يتكون الأنا بتأثير الخبرة والتربية فيحد من غلو الهو واندفاعه ويعمل على ضبطه وتوجيهه.

2- الأنا الأعلى: تتلخص تربية الطفل منذ عهد مبكر جدا من حياته في صراع دائم بين ما يريد عمله وبين مايريده والداه ومن يحيطون به أن يعمله، فللوالدين أساليبهما الخاصة من الثواب والعقاب في هذه التربية وسط هذا الصراع الموصول، يرى الطفل نفسه مضطرا إلى أن يكف نفسه عن عمل كثير مما يريده وإلى أن يعمل أشياء لا يميل إليها بطبعه.

3- الهو: هو منبع الطاقة البيولوجية والنفسية بأسرها يضم الدوافع الفطرية التي يولد الفرد مزودا بها والتي ترجع إلى ميراث النوع الإنساني كله، فهو طبيعة الإنسان الحيوانية ولا يعرف شيئا عن الأخلاق والمعايير الاجتماعية، فهو الصورة البدائية للشخصية.

  
والطفل السوي العادي يتعلم على كره منه وبعد مرات لا حصر لها من التمرد والاحتجاج يتعلم أن يكيف سلوكه وفق المعايير التي يعتبرها والداه لازمة لمن في سنه من الأطفال فإذا به أصبح يكف نفسه عن كسر آنية والمشي على الماء والنظر عبر النافذة، وينام حين يأمره والداه على هذا النحو، تتبلور في نفسه بالتدريج وعلى غير قصد منه أوامر الوالدين ونوافيهما وأفكارهما عن الصواب والخطأ، عن الخير والشر، تتبلور في صورة سلطة داخلية تقوم مقام الوالدين حتى في غيابهما فيما يقومان به من نقد وتوجيه وإثابة وعقاب، وهكذا تضطره التربية إلى أن يقيم على نفسه حارسا من نفسه، هذا الحارس أو الرقيب النفسي هو الأنا الأعلى (الضمير)، فبعد أن كان يعمل المباح ويمتنع عن المحظور خوفا من سلطة خارجية أصبح يحمل بين جانبيه مستشارا خلقيا يرشده ويدله إلى ما يجب عمله وينهاه عما لا يجب عمله ويحكم له بالصواب إن أصاب وبالخطأ إن أخطأ، ويبدأ تكوين الأنا الأعلى في سن مبكرة حوالي الثالثة من العمر أو ما قبل ذلك، وهو ككل قدرة أو اتجاه يكتسبه الفرد في طفولته ذو أثر عميق باق في حياته كلها.

وموجز القول أن الأنا الأعلى جانب من الشخصية يتكون من اندماج الطفل أي من تشربه على غير قصد الأوامر والنواهي والتقاليد والمعتقدات التي يأخذ بها والداه وكل ذي سلطة في محيطه ممن يحبه أو يحترمه أو يخشاه أو يعجب به وهو جانب ينفصل عن الأنا كما انفصل الأنا عن الهو، إنه خلفية الوالدين وبالتالي فالأنا الأعلى من حيث تكوينه هو مجموعة القيم والمعايير والمعتقدات والمبادئ الخلقية التي يستخدمها الفرد في الحكم على سلوكه ودوافعه وأفعاله، وهو من حيث وظيفته جانب الشخصية الذي يوجه وينقذ ويوقع العقاب.

ونود أن نشير إلى أن الهو والأنا والأنا الأعلى ليست ثلاثة أشياء مستقلة من الشخصية بل ثلاث قوى ناشطة مصطرعة في الشخصية ومن اصطراعها يتحدد مصير الدافع الذي ينشط ويتطلب إشباعا، فإما أن يعبر الدافع عن نفسه تعبيرا صريحا وإما أن يقمع ويكبت فينجم عنه سلوك ملتو وإما أن يصيبه الإعلاء، فالشخصية ميدان الصراع لكثير من القوى والدوافع وهو ميدان يصطرع بدوره مع ميدان البيئة الاجتماعية والثقافية.

5- العناصر الأولية للشخصية:

والواقع أنه مهما اختلفت قوائم العلماء في ظاهرها وتفاصيلها فإن أغلبها يتفق على أن العناصر الأولية الرئيسية للشخصية هي:

-         النواحي الجسمية.
-         النواحي العقلية والمعرفية.
-         النواحي المزاجية.
-         النواحي الخلقية.

ومن الضروري طبعا أن ننظر إلى هذه العناصر الأربعة في ضوء البيئة الاجتماعية والوسط الثقافي العام الذي تتكون فيه الشخصية وتنمو.

1-5- أما النواحي الجسمية: فالمقصود بها حالة الجهاز العصبي، وتأثير الغدد الصماء وحالة الجهاز الهضمي والحواس المختلفة من ناحية حدتها أو ضعفها، وكذلك شكل الجسم العام وقوة العضلات وتناسب التقاسيم ورنة الصوت وسرعة الحركات أو بطئها ... إلخ.

2-5- وأما النواحي العقلية والمعرفية: فهي إما فطرية كالذكاء والقدرات التحصيلية، والمواهب الخاصة، وإما مكتسبة كالآراء والأفكار والمعتقدات والمعلومات المختلفة.

3-5- وأما النواحي المزاجية: فهي مجموع الصفات الانفعالية المميزة للفرد، وتتضمن تلك الاستعدادات الثابتة نسبيا والمبنية على ما عند الشخص من الطاقة الانفعالية والدوافع الغريزية التي يزود بها والتي تعتبر ثروة وراثية في أساسها، وهي تعتمد على التكوين الكيميائي والغدي والدموي، وتتصل اتصالا وثيقا بالنواحي الفسيولوجية والعصبية وتظهر في الحالات الوجدانية والطباع والمشاعر والانفعالات من حيث قوتها أو ضعفها، ثباتها أو تقلبها ومدى المثيرات التي تثيرها.

4-5- أما النواحي الخلقية: فتشمل الصفات الخلقية المختلفة كالأمانة والخيانة والتعاون والأنانية والصدق والكذب والإقدام والتهيب والرحمة والغلظة والعدل، إلى غير ذلك مما يدخل في نطاق الاتجاهات النفسية المختلفة.

     
ستجد قائمة مراجع موضوع تحليل الشخصية في علم النفس في الموضوع التالي  تحليل الشخصيات

الاثنين، 16 أبريل 2012

مناهج البحث في علم النفس

مفهوم المنهج: المنهج كلمة مشتقة من الفعل (نهج) أي سلك طريقا معينا ومنه قولهم: طرائق البحث كبديل لمناهج البحث، أما معناه الاصطلاحي فهو: فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون، أو هو الطريقة التي يتبعها الباحث لدراسة المشكلة موضوع البحث، ويبقى المنهج بصفة عامة الطريقة التي يتبعها الباحث للإجابة عن أسئلة التي يثيرها موضوع بحثه.

ماهية المنهج العلمي: العلم بوجه عام معرفة منظمة لفئة معينة من الظواهر تجمع وترتب بالمنهج العلمي ابتغاء الوصول إلى قوانين ومبادئ عامة لتفسير هذه الظواهر والتنبؤ بحدوثها، وإذا كان المنهج، كما سبق أن أشرنا، هو الطريقة التي يتبعها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي يثيرها موضوع بحثه فإن المنهج العلمي يتميز بجمع الوقائع والمعلومات، لكن كيف ذلك؟

أولا: عن طريق الملاحظة المضبوطة التي تقوم على التخطيط والوصف الدقيق وتسجيل الظاهرة تسجيلا منظما، إن الملاحظة المضبوطة لابد أن تكون مقصودة ترمي إلى هدف واضح هو الإجابة عن سؤال معين أو تحقيق فرض معين.

ثانيا: الملاحظة الموضوعية، أي الملاحظة التي لا تتأثر بميول الباحث وعواطفه وانحيازاته وأفكاره السابقة وما يقوله عامة الناس.

ثالثا: عن طريق الملاحظة التي يمكن التحقق من صحتها، أو التي يمكن أن يعيدها باحثون آخرون ويصلون إلى النتائج نفسها.

ويبقى المنهج العلمي دائما هو الفاصل بين ما يمكن أن يسمى علما وبين غيره من أشكال المعرفة، فالطب والفيزيقا والكيمياء وعلم الأحياء، لم تدخل في نطاق العلوم إلا حين خضعت دراستها للمنهج العلمي، وكان كذلك بالنسبة لعلم النفس حيث أنه لم يصبح علما إلا حين بدأ العلماء يطبقون المنهج العلمي في دراسة الوظائف النفسية وفي دراسة السلوك، فإذا كان على سبيل المثال منهج البحث في العلوم الطبيعية يعتمد أساسا على الملاحظة والتجريب، كذلك كان لابد على علم النفس أن يشترك مع هذه العلوم في منهج البحث، غير أن هناك ظواهر ووقائع ينفرد بدراستها علم النفس مثل: الحالات الشعورية الفردية والاستعدادات اللاشعورية وعلى هذا فإن منهجه يختلف في بعض الوجوه عن منهج هذه العلوم، وسنتناول فيما يلي مناهج البحث في علم النفس:

منهج التأمل الباطن (الاستبطان)

ظل الاستبطان، التأمل الباطن، أو الملاحظة الذاتية، المنهج السائد في الدراسات النفسية حتى أواخر القرن الماضي والاستبطان بالمعنى العلمي هو ملاحظة الشخص لما يجري في شعوره من خبرات حسية أو عقلية أو انفعالية ملاحظة منتظمة صريحة تستهدف وصف هذه الحالات وتحليلها أو تأويلها أحيانا سواء كانت هذه الحالات حاضرة كحالة الحزن والغضب التي يظهرها الفرد في اللحظة الراهنة أو ماضيه كأحلام النوم وأحلام اليقظة، ومن أمثلة استبطان الحالات الشعورية الحاضرة كأن تطلب إلى شخص أن يصف حالته وهو يستمع محاضرة جافة أو هو يقرأ كتابا مملا أو أن تطلب إليه أن يصف ما يجري في شعوره وهو يفكر في حل مسألة حسابية، هل يكلم نفسه وهو يفكر؟ هل يرى صورا ذهنية لما يفكر فيه؟ وماذا يشعر حين يستعصى عليه حل المسألة ما؟.

ومن الأمثلة على استبطان الحالات الشعورية الماضية أن تطلب إلى شخص أن يجيبك على الأسئلة الآتية: ما أقدم ذكرى تستطيع أن تسترجعها من ذكريات طفولتك؟ هل حلمت مرة بأنك تسافر على متن طائرة إلى بلد ما؟ وكيف كان شعورك أثناء الحلم؟.

غير أنه وجهت إلى منهج الاستبطان عدة اعتراضات وانتقادات، فقد اعترضت المدرسة السلوكية عن استخدامه بحجة أنه منهج غير علمي، وكانت حجتها في ذلك أن الحالات الشعورية التي تدرس عن طريق التأمل الباطن هي حالات فردية ذاتية، أي لا يمكن أن يلاحظها إلا صاحبها وحده، ومن ثم لا يمكن أن تكون موضوع بحث علمي لأنها لا يمكن التحقق من صحتها فالعلم لا يقوم على الفردي الذاتي بل على الموضوعي العام الذي يشترك في ملاحظته عدة ملاحظين لدى فهي ترفض استخدام هذا المنهج في علم النفس رفضا صريحا.


وترى من جهة أخرى أن موضوع علم النفس يجب أن يقتصر على دراسة السلوك الحركي الصريح للإنسان والحيوان، وما دام علم النفس أحد العلوم الطبيعية فلا داعي لأن يصطنع منهجا خاصا للبحث أو أن يدرس ظواهر تختلف عن ظواهرها.

ومن بين الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى منهج الاستبطان أن الشخص ينقسم في أثناءه إلى ملاحظ وملاحظ في آن واحد، هذا من شأنه أن يغير الحالة الشعورية التي يريد وصفها وتحليلها فتأمل الإنسان نفسه أثناء فرحه أو حزنه أو غضبه من شأنه أن يخفف من شدة هذه الانفعالات لأنه يستهلك في تأمله هذا جزءا من الطاقة النفسية التي كانت تستهلك في هذا الفرح أو الحزن أو الغضب، كذلك الحال حين يتأمل الفرد ما يجري في ذهنه أثناء عملية التفكير، فإن المجهود الذي يستنفذه في الملاحظة يجعله أقل انتباها وتركيزا، من أجل ذلك يرى بعض علماء النفس استحالة هذا المنهج لأن الإنسان لا يستطيع أن يطل من النافذة ليرى نفسه سائرا في الطريق، ومن جهة أخرى، إذا سلمنا بأن الشعور بشيء نوع من الاستجابة لهذا الشيء فملاحظة الحالة الشعورية ومعرفتها لا يمكن أن تكون معاصرة للحالة نفسها، وعليه لا يكون الاستبطان في الواقع إلا نوعا من التذكر المباشر للحالة الشعورية التي نلاحظها بل قد يكون نوعا من تذكر الماضي القريب، ومن ثم لا تكون الحالة التي نصفها صورة طبق الأصل من الحالة التي نريد ملاحظتها بل مجرد امتداد لها.

وعلى الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي وجهت إلى منهج الاستبطان فإنه قد لا يستغنى عنه الباحث في علم النفس في الكثير من الحالات، ذلك لأنه:

-         يقوم بالدور الأكبر في بعض الدراسات التجريبية حين يسأل الشخص الذي تجري عليه التجربة أن يصف لنا ما يرى أو ما يسمع أو ما يشعر به بعد مجهود ذهني طويل رتيب.
-         إنه الأساس في الاستفتاءات الشخصية إذ يطلب إلى الشخص أن يجيب تحريريا أو شفويا على مجموعة من الأسئلة تلقي الضوء على ما لديه من ميول ورغبات أو مخاوف إلى غير ذلك.
-         إنه أثناء العلاج النفسي يستمع المعالج إلى ما يرويه المريض من مشاعر ومخاوف وأفكار تتسلط عليه وتستبد به فلا يستطيع منها خلاصا ويسترشد ما يرويه المريض في تشخيص مرضه ومساعدته على الشفاء.
-         إن الاستبطان هو الوسيلة الوحيدة لدراسة بعض الظواهر والأحوال النفسية كالأحلام وأحلام اليقظة والحالة الشعورية للشخص أثناء انفعال الخوف والغضب أو ما يجده من سهولة ويسر كلما تقدم في تعلم مهارة من المهارات الكتابة على الآلة الراقنة مثلا.

المنهج التجريبي في علم النفس

يتمثل المنهج التجريبي بوجه عام، في محاولة التثبت والتحقق من فرضية معينة عن طريق مقارنة توقعاتها بالمعطيات الموضوعية التي يتم جمعها بواسطة التجريب، ويقوم التجريب النفساني على الضبط المنظم لكافة أسباب التغيرات التي تطرأ على السلوك، سواء صدرت هذه الأسباب عن الكائن الحي أو عن الوضعية أو عنهما معا، والسلوك هو الذي يشكل الموضوع المحدد لعلم النفس ويتعين في مجموع الاستجابات اللفظية والحركية بوجه خاص التي يظهرها الفرد في وضعية معينة.

وإذا رمزنا إلى السلوك بالرمز (س) وإلى الكائن الحي بالرمز (ك) وإلى الوضعية بالرمز (و) أمكن كتابة المعادلة التالية:

   س = د (ك،و) د = دالة أو محصلة.

وتعني هذه المعادلة التي تشكل الأساس النظري للتجريب في علم النفس، وهو أن السلوك محصلة لبنية الكائن الحي الموجودة في وضعية معينة وبعبارة أخرى نقول إن السلوك يرتبط تبعا لهذه المعادلة بنوعين من العوامل، وهما:

-         العوامل المتعلقة بالكائن الحي.
-         العوامل المتعلقة بالوضعية.
وينبغي أن نشير إلى أن هناك أنماط من السلوك كالأفعال المنعكسة التي ترتبط بصورة أساسية بخصائص الوضعية ذلك أن الفعل المنعكس يشكل استجابة منظمة لمثير معين من مثيرات الوضعية ويكاد ينتفي في توليد هذه الاستجابة دور الفروق الفردية أو خصوصيات الكائن الحي، فمثلا السلوك اللفظي يرتبط بخصائص الفرد بصورة أساسية، فالاستجابة اللفظية تنشأ على الوجه الأرجح بتأثير خصائص الشخص وتكشف عن شخصيته ولا تلعب خصائص الوضعية في توليدها إلا دورا ثانويا.

وعليه يمكننا القول إنه في تحليل السلوك والوضعية والكائن الحي لابد أن نتناول مختلف المستويات للتحليل، فمثلا:
ـ السلوك (س) يمكن تحليله من مستوى مؤشرات فيزيولوجية، ذلك عن طريق تسجيل المؤشرات الفزيولوجية الكهربائية للدماغ والعضلات والجلد والمؤشرات العصبية الحيوية كسرعة التنفس ونبضات القلب ...الخ.

الوضعية (و) تتكون الوضعية من أنواع مختلفة من المثيرات الفيزيائية التي تؤثر على حواسنا كالإشارات الضوئية والصوتية والحرارية ...الخ، كما قد تتكون من أشياء مادية وأفراد ومن العلاقات القائمة بين الأشياء والأفراد، ولا تتحدد الوضعية عند الكائن الإنساني بمعطياتها الموضوعية والفيزيائية فقط بل تتحدد أيضا بالإدراك، أي بالدلالة التي يضفيها الفرد على هذه المعطيات، فالفرد يخضع الوضعية غالبا لعملية تأويل ذاتي تؤثر بدورها في سلوكه ويسعى المجرب في علم النفس بقدر الإمكان إلى تحييد أثر هذا الإدراك الذاتي للوضعية.

الكائن الحي (ك) أو الشخصية التي تتعلق بالكائن الإنساني وهي تركيب معقد فيه خصائص فيزيولوجية وبيولوجية ونفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ويمكن للباحث التجريبي أن يلجأ إلى هذا المظهر أم ذاك من الشخصية لتأويل السلوك الذي يلاحظه كالعمر والجنس والطبع ومستوى الخبرة ...الخ لملاحظة التصرفات المرتبطة بها.

وإذا تحدثنا عن أنماط العلاقة بين الوضعية والكائن الحي والسلوك وجب التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية من العلاقة بين الوضعية (و) والكائن الحي (ك) والسلوك (س).

النمط الأول: تدرس فيه الاستجابات المختلفة للكائن الحي الذي يخضع لتغييرات منظمة في الوضعية، أي ندرس كيفية تغير السلوك تبعا لتغير الوضعيات.

النمط الثاني: تدرس فيه أيضا الاستجابات المختلفة للكائن الحي وكيفية تغير السلوك تبعا لتغير الوضعيات شأنه شأن النموذج الأول، غير أن الباحث يقوم فيه بدراسة بنيوية للعلاقة القائمة بين الاستجابات المختلفة الناشئة عن تغير الوضعية، كأن يدرس مثلا العلاقة بين درجات أداء الفرد في مهمات تعليمية متنوعة، هذه العلاقة التي قد تكشف عن بنية الذكاء عند هذا الفرد، وتتركز الدراسة البنيوية على العلاقة بين (س1) و (س2) و (س3) هذه العلاقة تعتبر الكاشفة لبنية الكائن الحي.

النمط الثالث: يقوم فيه الباحث بدراسة فارقيه، أي أن اهتمامه يتركز على دراسة الاستجابات المختلفة لعدد من الأشخاص الذين يخضعون للوضعية نفسها، أي يدرس الفروق الفردية بين (س1) و(س2) و(س3) التي تنشأ عن الفروق بين (ك1) و(ك2) و(ك3) وتتيح هذه الطريقة مقارنة الأفراد، أي دراسة الفروق الفردية.

مرحل البحث التجريبي في علم النفس

لا بد على الباحث التجريبي في علم النفس أن يمر بالمراحل التالية:

الملاحظة: كما سبق أن أشرنا، فلابد أن تكون الملاحظة منظمة وأن تتيح للباحث وصف بعض الظواهر ويعين العوامل أو المتغيرات التي تؤثر في هذه الظواهر، مع تحديد الوقائع التي يسعى إلى دراستها.

صياغة الفرضيات: تتضمن الفرضية تحديد العلاقة المفترضة بين نوعين من الوقائع، ويمكن استقراء الفرضية أو استخراجها انطلاقا من الملاحظات التي قام بها الباحث وتدعى عندئذ بالفرضية الاستقرائية، كما يمكن استنتاجها من نظرية معينة وتدعى عندئذ بالفرضية الاستدلالية أو الاستنتاجية، وأهم ما يمكن أو يجب أن تتميز به الفرضية هو إمكان البرهنة عليها.

التجريب: يهدف التجريب إلى التثبيت والتحقق من صحة الفرضية وسعي الباحث أثناء التجريب إلى تنظيم وضعية معينة تتيح له ملاحظة تأثيرات متغير أو عدة متغيرات تدعى بالمتغيرات المستقلة على متغير آخر يدعى بالمتغير التابع.

تحليل النتائج وتأويلها: يقوم الباحث خلال هذه المرحلة بترتيب نتائج التجربة وتصنيفها بواسطة الجداول الإحصائية وتعليل هذه النتائج بوسائل التحليل الإحصائي المناسب ومن ثم يقوم بتأويلها.





المنهج الاستقرائي:

يعرف علماء النفس الاستقراء على أنه الانتقال من الخاص إلى العام، أو من النتائج إلى مبادئها، أو من الظواهر إلى قوانينها، وهو بهذا يقابل القياس الذي يتم فيه الانتقال من العام إلى الخاص، والاستقراء نوعان: تام وناقص ففي التام يكون الباحث مطالبا بملاحظة جميع أجزاء الظاهرة المراد البحث فيها، وهذه الملاحظة هي الحكم الكلي الذي يعتبر ملخصا للأحكام الجزئية التي أصدرها على أجزاء بحثه، وعليه يمكن القول: إن هذا النوع من الاستقراء يقوم على دراسة المجتمع الإحصائي دراسة كلية.

أما الاستقراء الناقص يكون فيه الباحث ملزما بملاحظة بعض أجزاء الظاهرة التي يقوم بدراستها، اعتمادا على تمثيل المجتمع الإحصائي ببعض أجزائه، أي أفراده، ويشترط في هؤلاء الأفراد أن يمثلوا المجتمع تمثيلا حقيقيا، لأن الحقيقة التي يتوصل إليها من  خلال هؤلاء الأفراد يمكن تعميمها على كل أفراد المجتمع.

وعليه يمكن القول: إن هذا النوع من الاستقراء يعتمد على العينة العشوائية كما يستخدم في إدارة البحوث والدراسات ذلك لاستحالة دراسة المجتمع في أغلب الحالات، ويشير بعض علماء النفس إلى أنه على الباحث الذي يعتمد على المنهج الاستقرائي أن يلتزم بالمراحل التالية:

-         مرحلة البحث: وفيها يقوم الباحث بالملاحظة والتجربة التي هي مصدر الحقيقة.
-         مرحلة الكشف: وهي مرحلة هامة لأن الغرض من كل بحث هو الكشف عن حقيقة ما.
-         مرحلة البرهان: في هذه المرحلة يبرهن الباحث على صحة ما توصل إليه، فيسوق الأدلة في نسق متدرج ليصل في النهاية إلى إقناع القارئ وإفادته بجديد بحثه.

  المنهج المسحي

المسح هو دراسة عامة لظاهرة موجودة في جماعة معينة وفي مكان معين وفي الوقت الحاضر، أي البعد الزمني الثاني، والمسح إما عام كتعدد سكان دولة ما، أو خاص كتعدد أطفال قرية ما لبناء مدرسة على أساس علمي تكون فيها الوسائل التربوية مدروسة علمية ودقيقة.

وإذا كان المسح يهتم أساسا بالدراسات الميدانية، فهو يختلف عن غيره من المناهج الأخرى من حيث الإمكانات البشرية والمادية أو من حيث جمع البيانات، وعلى هذا الأساس فإن مراحل المنهج المسحي تكون على الشكل التالي:

مرحلة تحديد مشكلة الموضوع المختار: هذا التحديد غالبا ما يكون صعبا خاصة بالنسبة للطالب المبتدأ، وهو ما يجعله يلجأ أحيانا إلى الاستعانة بشخص له تجربة وخبرة في ميدان البحث، ومن المعلوم، فإن الذي يختار موضوع بحثه من تلقاء نفسه يكون أكثر دقة من غيره الذي كلف بإجراء بحث ما، ذلك لأن درجة الرغبة والدافعية تتفاوت بينهما والباحث مطالب بتحديد مشكلة الموضوع تحديدا واضحا، في شكل سؤال يحتاج إلى جواب واضح ومحدد.

مرحلة تحديد الفروض: إن الفروض تخمين مسبق لحل متوقع لذا فعلى الباحث أن يضع فروضا دقيقة واضحة وشاملة لجوانب البحث وقابلة للتجربة.

مرحلة جمع البيانات: إن جمع البيانات أمر هام وشاق فعلى الباحث أن يعد الوسائل المطلوبة والمناسبة لبحثه، ذلك باستخدام الملاحظة والاستبيان أو المقابلة، وقد تجمع هذه الوسائل في إجراء بحث واحد، والباحث مطالب أيضا بضبط هذه الوسائل ضبطا علميا دقيقا يجعله يستفيد من المعلومات بخاصة في بناء الاستبيان حتى يتحصل على معلومات صحيحة يمكن الاعتماد عليها حتى لا يصل إلى حد قد لا يكون هو الأفضل.

مرحلة تحليل البيانات: إن البيانات المتحصل عليها لا تعني شيئا إذا لم تتبع بالتحليل الإحصائي الكمي، وكذا بالتفسير النوعي، لأن النتائج تحتاج دائما إلى ترجمة وتوضيح دقيق، وتكون الرسوم البيانية والجداول الإحصائية مهمة جدا في عملية تحليل البيانات، ذلك لأن البحث العلمي يصل عن إثرها إلى نتيجة تمثل حلا مبسطا يمكن للعام والخاص أن يستفيد منه.



مرحلة استخلاص النتائج: إن هدف الباحث منذ بدء التفكير في إدارة البحث هو الوصول إلى نتيجة تسهم من قريب أو من بعيد في تغير سلوك ما، أو في تغير نمط من أنماط الإنتاج مثلا فإن وجد هذا الباحث نتيجة تجعل من الفرد كائنا متطورا فيها، وإلا يجعل النتيجة مفتوحة لباحثين آخرين قد يسهموا بمناهج أخرى في معالجة الموضوع المطروح للوصول إلى نتيجة أفضل، ويشترط في هذه النتيجة الناجحة أن تكون في قالب مبسط، مفهوم، وقد تصاغ في شكل نظرية يمكن اعتمادها في الميدان المختص إلى أن يأتي البحث الذي يطورها أكثر.

المنهج الوصفي في علم النفس

  
يجمع علماء النفس على أن المنهج الوصفي في علم النفس يهدف إلى جمع الأوصاف الدقيقة العلمية الظاهرة التي تكون موضوع البحث والدراسة في أوضاعها الراهنة، وإلى دراسة العلاقات التي توجد بين الظواهر، وفيما يلي نذكر أهم الطرائق التي يستخدمها هذا المنهج:

الملاحظة العلمية المنظمة: تعتبر الملاحظة العلمية المنظمة العامل الخصب للحصول على معلومات وبيانات تتصل بالسلوك الفردي أو الجماعي، وهنا يهتم الباحث بدراسة الوضع الحالي، الراهن، للظاهرة وتحديد طبيعة الظروف والممارسات والاتجاهات السائدة، أي تحديد الأوصاف الدقيقة للأنشطة والأشياء، كما يتضمن هذا المنهج الملاحظة المباشرة للأفراد والجماعات في المواقف الاجتماعية وتسجيلها تسجيلا دقيقا، لذلك يتطلب من الباحث استخدام وسائل خاصة دقيقة لتسجيل وتحديد ملاحظاته، وقد تكون هذه الملاحظة العلمية خارجية أساسها المشاهدة الموضوعية والتسجيل الدقيق للأشخاص أو لمظاهر سلوكية معينة.

    
وقد استخدام بياجي هذه الملاحظة العلمية الخارجية وساعده جيزل بالتصوير لرصد حركات الطفل ومظاهر سلوكه في مواقف وفي فترات مختلفة ... كما يمكن أن تكون هذه الملاحظة العلمية داخلية ذاتية وهي ليست دقيقة ولا علمية، مثلها بالتقريب كمثل الملاحظة العرضية التي تأتي بالصدفة، أو التي نقوم بها عن غير قصد في المنزل، في المدرسة، في النادي ...الخ، وتصدر عنها أحكاما ونكون اتجاهات وآراء اعتمادا على الصدفة لذلك وجب الحرص على عدم تعميمها على كل الناس، غير أنها قد تنمي بصيرتنا وتثري السلوك، ويشتمل المنهج الوصفي على الدراسة المسحية التي هي عبارة عن محاولة لجمع الأوصاف المفصلة عن ظاهرة ما قصد استخدام البيانات لتأييد الظروف أو الممارسات الراهنة الحالية، أو لنقل تخطيطات أكثر دقة بغية تحسين الظروف والعمليات السلوكية والتي يكون الهدف منها كشف الوضع القائم وتحديد كفاءته عن طريق المقارنة بمستويات أو معايير تم اختيارها على نطاق واسع أو ضيق.

ويستخدم الباحثون في الدراسة المسحية للوصول إلى الرأي العام الاستخبارات والاستفتاءات، وهي أسئلة تدور حول موضوع معين أو موقف معين، وعلى الفرد أن يجيب عليها ويبدي رأيه فيها شفاهيا أو كتابيا، كما يستخدمون طريقة التقدير الذاتي التصنيفي التي اقترحها ستيفنسون حيث ذهب به الحد إلى القول أنه يمكن أن ندرس بطريقة علمية اتجاهات الأفراد وتفكيرهم وتفاعلهم الاجتماعي، وكل ما يعتبره هو ذاتيا بالنسبة له.

وقد نتكلم في هذا الصدد عن الدراسة التطورية التي يهتم بها المنهج الوصفي في دراسة العلاقات المتبادلة، والتي تتناول الوضع القائم للظواهر والعلاقات المتداخلة بين بعضها البعض، والتي تصف المتغيرات التي تحدث في مجرى تطورها خلال مدة زمنية معينة وترصدها وتحللها، وهنا يستخدم الباحث إحدى الطريقتين الطويلة أو المستعرضة.

الطريقة الطويلة: تعرف هذه الطريقة التتبعية وهي من أقدم وأبسط الطرائق في العلوم الاجتماعية وفيها يتتبع الباحث النمو النفسي من كافة مظاهره لفرد أو لجماعة من الأفراد في مختلف الأعمار طوال فترة زمنية معينة، وقد تمتد الفترة الزمنية التي يتتبع فيها الباحث الفرد نفسه إلى عشر سنوات أو أكثر في أغلب الأحيان، أي أن الباحث يتتبع النمو وتطور تغيره على أفراد معينين في الأعمار المتتابعة المتلاحقة بالنسبة لمظاهر النمو المختلفة، لذلك توصف هذه الطريقة بالطريقة الطويلة.

ومن أشهر الدراسات الطولية التتبعية المعروفة هي دراسة لويس ترمان، حيث تتبع النمو العقلي لجماعة من الأطفال المتفوقين لمدة ثلاثين سنة، ليدرس أساليب نمو الأطفال الأذكياء والتطورات التي تطرأ على حياتهم، ومن أهم ما توصل إليه اعتمادا على هذه الطريقة هو تتبع مظاهر النمو وملاحظة ما يطرأ عليها من تغير، وما يؤثر فيها من عوامل بيئية أو غير بيئية، وهي تستغرق الوقت الطويل حيث يتمكن الباحث الحصول على معلومات ذات قيمة علمية.



الطريقة المستعرضة: هي الطريقة التي يدرس فيها الباحث متغيرات مظاهر النمو المختلفة في عينة كبيرة العدد في سن معينة، وهنا يطبق الباحث على العينة وسائل يحصل بها على المعلومات والبيانات الخاصة بمظاهر النمو في هذه السن، بحيث يحصل على الصفات والسمات العامة التي تميز النمو في هذه السن.

وتعتمد هذه الطريقة على الاختبارات والمقاييس الدقيقة التي تنصب على قطاع مستعرض في النمو، وقد يأخذ الباحث في حالات أخرى عينات من الأفراد في سنوات مختلف ويتبع معها الطريقة نفسها ويمكن أن يتم هذا في وقت واحد، أي تدرس النمو في جماعة مماثلة في السن، ولتكن على سبيل المثال السادسة وجماعة أخرى في سن السابعة وجماعة ثالثة في سن الثامنة ... وهكذا، ومن الذين استخدموا هذه الطريقة بياجي في دراساته اللغة عند الأطفال في الأعمار الزمنية المختلفة.

والواقع أن الطريقة الطويلة والمستعرضة طريقتان متكاملتان يستعين بهما كل باحث في دراسة الموضوع الواحد.

المنهج العيادي في علم النفس

تستعمل كلمة العيادي في المجال الطبي وفي اللغات الأجنبية للإشارة إلى جملة المعارف التي تكتسب عن طريق ملاحظة المرضى دون الاستعانة بوسائل البحث أو الضبط العلمي، وبهذا المعنى تتمايز العيادة عن المخبر، كما يتمايز المنهج العيادي عن المنهج التجريبي، أما في مجال علم النفس فقد برز المنهج العيادي في البداية كرد فعل على التجارب المخبرية التي افتتحها فونت، فيبر وفخنر.

ويكون أول من استعمل في بداية القرن الماضي عبارة المنهج العيادي العالم النفساني الأمريكي ويتمر حيث قام بدراسة معمقة للاضطرابات الذهنية لدى الأطفال، واعتبر بذلك أن للمنهج العيادي غايات عملية تكمن في علاج ووقاية حالات التخلف العقلي لدى الفرد واهتم بعد ذلك بشكل خاص بالأطفال الذين يعانون من صعوبات مدرسية، كما اهتم أيضا بتحليل هذه الصعوبات وأسبابها الممكنة وذلك بتركيز البحث على المجال المعرفي.

ويرى ويتمر أنه يمكن انطلاقا من هذه الفحوص الفردية الوصول إلى بعض التعميمات التي تأخذ شكل التصنيفات للاضطرابات الذهنية.

وفي سنة 1909 برز أيضا في الولايات المتحدة اتجاه آخر بقيادة العالم الأمريكي هيلي مدير مؤسسة الأحداث الجانحين، قام هيلي بتقنين بعض الروائز وكان شديد التأثر بالنظرية التحليلية فارتكز منهجه العيادي على دراسة الدوافع والحياة العاطفية والانفعالية لدى الأفراد.

من هذا نستنتج أنه برز مع ظهور المنهج العيادي في مجال علم النفس تياران رئيسيان هما:

-         تيار ويتمر الذي اهتم بالجانب المعرفي الذهني.
-         تيار هيلي الذي يرتكز على الجانب الانفعالي العاطفي.

غير أنه اليوم، هذا التمايز القائم بين هذين التيارين لم يعد قائما، ذلك أن المنهج العيادي يذهب إلى أن يتصف بأكبر قدر ممكن من الشمولية وأنه يتناول دراسة الفرد بوصفه وحدة شاملة لا تقبل التجزئة.

وتجاوز من جهة أخرى وبشكل تدريجي حدود ميدان نشأته ليطبق في دراسة السلوك المتكيف والسلوك غير السوي، وتحول بذلك من طريقة خاصة بميدان من ميادين علم النفس إلى منهج للبحث من شأنه أن يوسع المعلومات النفسانية العامة، وكما لم يعد النفسانيون يتبنون هذا المنهج  اتجاه المرضى، بل أخذوا يتبنونه اتجاه الأسوياء.


وحوصلة القول أن هذا المنهج يعتمد على الملاحظة المعمقة للأفراد الذين يواجهون مشاكل معينة والتعرف قدر الإمكان على ظروف حياتهم بغية الوصول إلى تأويل كل واقعة في ضوء كل الوقائع الأخرى، ذلك أن الكل يشكل مجموعة دينامية لا يمكن تبسيطها دون تشويهها وبترها.

مراحل تطور علم النفس

يميز كل من كمال بكداش ورالف رزق الله بين أربع مراحل في تطور علم النفس تبعا للموضوع الذي اتخذه مادة لدراسته في كل مرحلة، ونعرض فيما يلي هذه المراحل التطورية:


المرحلة الأولى: مرحلة القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، وهي تعرف بالمرحلة الفلسفية تحدد فيها علم النفس بصفته علما للروح أو النفس، تمحور اهتمام الفلاسفة في هذه المرحلة على دراسة العلاقة التي تربط الحس والروح، إذ كان ينطلق من الثنائية الفلسفية التي تؤكد وجود روح مستقلة عن الجسد، وتعتبر العلاقات التي تقوم بينهما علاقات بين وحدتين متميزتين بعضها عن بعض تميزا تاما، تمثلت هذه الثنائية الفلسفية عند ديكارت بوجه خاص في بداية القرن السابع عشر، كما تمثلت بعد ذلك عند العديد من فلاسفة القرن الثامن عشر.

يدرس علم النفس حسب هؤلاء الفلاسفة في هذه المرحلة معطيات الحياة الذاتية أو الوعي بذاته، لذا كان من البديهي أن تلجأ هذه الدراسة إلى منهج الاستبطان الذي يقوم على تأمل الوعي لذاته، وذلك طالما أن النفس حسب تعبير ديكارت، تستطيع أن تكون معرفة مباشرة بذاتها.

المرحلة الثانية: مرحلة القرن التاسع عشر، وهي تتمثل في محاولة علم النفس في الانفصال عن الفلسفة والتحول إلى علم تجريبي، غير أنه لم يطرأ في هذه المرحلة أي تغير أساسي على تعريف علم النفس، بل حل موضوع الوعي أو الشعور محل الروح، بيد أن هذه المرحلة اتسمت بالاهتمام الكبير لبعض علماء الفيزياء و الفزيولوجية  والطب، ومنهم مثلا فخنر وفييبر اللذين اهتما بقضايا علم النفس ولاسيما بموضوع الإحساس وعلاقته بالمثيرات الفيزيائية كما اتسمت أيضا بتخصيص المقاعد الجامعية لتعليم علم النفس وبإنشاء المختبرات المتخصصة.

سعى هؤلاء العلماء بتأثير منهج العلوم الطبيعية، أي المنهج التجريبي، إلى أن يتحول علم النفس إلى علم تجريبي، أي أنهم سعوا إلى استعمال المنهج التجريبي في دراسة الموضوعات النفسانية وعلى الرغم من ذلك، فكانت أعمالهم التجريبية تنتهي في أغلب الأحيان إلى اعتماد الاستبطان ويعود ذلك بصورة أساسية إلى أن موضوع علم النفس في هذه المرحلة، أي الوعي وما يقابله، كان يفرض من حيث طبيعته بالذات اللجوء إلى هذا المنهج.

لقد نشأت في الواقع بعض المحاولات لتطوير هذا المنهج باتجاه تجريبي، وسمي بالتالي بالاستبطان التجريبي، وفيه يقوم الفرد بحل مشكلة تجريبية معينة ويصف في الوقت ذاته الحالات التي تمر في وعيه، إلا أن جوهر المنهج لم يتغير وبقي مستندا إلى التأمل الباطن الذي يقوم به الوعي للوعي نفسه.

المرحلة الثالثة: مرحلة النصف الأول من القرن العشرين، وفيها تحدد علم النفس بأنه الدراسة العلمية للسلوك، تميزت هذه المرحلة بنوع خاص بنشوء المدرسة السلوكية التي أسسها واطسون.

أكدت هذه المدرسة السلوكية عن استحالة إنشاء علم النفس انشاءا علميا على أساس دراسة معطيات الوعي، واعتبرت السلوك هو فقط الذي يشكل الأساس الموضوعي لقيام علم النفس العلمي، ذلك أن السلوك وحده، وليس الوعي، يمكن أن يخضع للملاحظة الموضوعية.

كان من الطبيعي أن يرفض واطسون وهو الاختصاصي في علم الحيوان، منهج الاستبطان، حيث قال: (هذا المنهج لا قيمة له بالطبع في مجال دراسة السلوك الحيواني، فهل يمكن دراسة معطيات الوعي عند الفأر مثلا؟، وهل يمكن للاستبطان أن يؤكد وجود هذا الوعي أو ينفيه) هذه أسئلة كان يطرحها واطسون، ذلك لأنه كان يرى أن هذا النقد السلوكي لمنهج الاستبطان يصح في مجال علم النفس الإنساني، ذاك أن دراسة الطفل تطرح بعض المشكلات المنهجية الشبيهة بتلك المشكلات التي تطرحها دراسة الحيوان، إذ كيف يمكن الطلب إلى الطفل أن يستبطن نفسه، أي أن يتأمل ذاته بذاته وأن يعبر عن نتائج هذا التأمل؟

واستنادا إلى ذلك، دعت المدرسة السلوكية إلى إعادة النظر في علم النفس كله وإلى ضرورة الاستناد إلى دراسة العناصر الموضوعية التي يمكن ملاحظتها، هذه العناصر التي تتمثل في المثيرات (م) وفي الاستجابة (س) التي تؤدي إليها هذه المثيرات وهو ما يمكن الرمز إليه بالطريقة التالية:
م  ـــــــــــ  كائن حي ــــــــــ س

اعتبر واطسون أن مادة علم النفس تقتصر فقط على دراسة الاستجابات التي تقوم بها الكائنات الحية بتأثير مثيرات معينة، أي أنها تقتصر على دراسة السلوك الذي يتكون من مجموع الاستجابات التي تظهر في وضعية معينة، وتهدف هذه الدراسة حسبه على تحديد العلاقة أو القوانين التي تربط بين المثير والاستجابة.

بيد أن نظرة واطسون للسلوك ذاته نظرة تتناسب مع بعض أنماط السلوك الحيواني ومع الأفعال البسيطة كالأفعال المنعكسة، إلا أنها لا تتلاءم تماما مع الأنماط المعقدة للسلوك الإنساني بوجه خاص، ذلك أن السلوك الإنساني في أنماطه المعقدة لا يمكن أن يختزل إلى بعض الاستجابات التي تنشأ نتيجة بعض المثيرات، فالكائن الإنساني الذي يوجد بين المثير والاستجابة كائن نشط ومدرك وتجري في داخله عمليات فيزيولوجية ونفسية، ولا تتجلى هذه العمليات بالضرورة في الاستجابات الظاهرة.

وانطلاقا من هذه الانتقادات الموجهة إلى واطسون نشأ ضمن المدرسة السلوكية اتجاه جديد يسمى بالسلوكية المحدثة، أسسها تولمان وهول، سعى هذا الاتجاه إلى تضمين مفهوم السلوك بعض العمليات الذهنية مثل الإدراك والتفكير، والعاطفية والانفعالية التي تحدث في الكائن البشري نفسه وتتوسط إذا جاز التعبير بين المثيرات من ناحية والاستجابات من ناحية أخرى، تدعى هذه العمليات التي لا يمكن ملاحظتها بصورة مباشرة بالمتغيرات الوسيطة، هذه المتغيرات لا يمكن التثبت منها بصورة مباشرة، بل يمكن أن نفترض وجودها وأن نستنتجها أو نستدل عليها خلال السلوك الظاهر، إذ يتحدد سلوك الكائنات الحية المعقدة بالعمليات الداخلية ولا يتحدد بالعلاقة الآلية بين المثيرات الخارجية والاستجابات الظاهرة والموجهة نحو الخارج، وبعبارة أخرى يمكن القول: إن السلوك لا يشكل نتيجة بسيطة لمثيرات المحيط، بل يشكل محصلة التفاعل بين الكائن الحي والمحيط.

المرحلة الرابعة: وهي المرحلة المعاصرة التي تحدد فيها علم النفس بأنه العلم الذي يدرس سلوك الكائنات الحية بمعناه الواسع يشتمل السلوك بهذا المعنى مجموع التصرفات الحركية واللفظية بوجه خاص التي يقوم بها الكائن الحي، هذه التصرفات التي يشكل بعضها نشاطات منظمة وموجهة نحو هدف معين، أي نشاطات قصديه أو غرضيه، ويظهر عنصر القصد في السلوك من خلال التنظيم والتوجيه اللذين يميزان العديد من التصرفات المعقدة.

يتم تفسير السلوك بمعناه الموسع حسب كمال بكداش ورالف رزق الله، عن طريق نوعين متفاعلين من المتغيرات أو العوامل : يتعلق النوع الأول من المتغيرات بالكائن الحي الذي نلاحظ تصرفاته ومنها متغيرات السن والجنس والخبرة السابقة والدوافع الراهنة والصراع الذي يمكن أن ينشأ بين هذه الدوافع ... ويتعلق النوع الثاني من المتغيرات بالوضعية التي يوجد فيها الكائن الحي، وتتنوع الوضعيات التي يمكن أن يوجد فيها الكائن الحي تنوعا شديدا: فهناك الوضعية التجريبية في المختبر التي تتميز ببعض المتغيرات، وهناك الوضعية العائلية التي تتسم ببعض الاضطرابات والصراع، وهناك أيضا الوضعية المدرسية والوضعية الاقتصادية ... ويتمثل طموح عالم النفس في أن يدرس عن طريق الملاحظة والتجربة أو اللقاء المباشر مع المفحوص تأثير هذا النوع أم ذاك من المتغيرات أو كليهما معا في السلوك وأن يصل إلى تفسير هذا التأثير.

ويرى مصطفى غالب، أن علم النفس المعاصر يمتاز باهتمامه بدراسة أحوال الإنسان النفسية كاملة شاملة من كافة جوانبها ومنطلقاتها السلوكية والانفعالية أكثر من اهتمامه بالأمور الجزئية العقلية والنفسية، لذا يمكننا أن نسميه حسب مصطفى غالب: علم شمول السلوك الإنساني، التاريخي المنصرم، والواقعي المستقبل ككائن مجرد مطلق يعيش في مجتمع حضاري له تأثيره الفعال في سلوك الفرد وانفعالاته واستجابته.

وينتهي بنا القول إلى أن للمجتمع الحضاري تأثير تاريخي وسلوكي يشكل العاطفة والإحساس والمشاعر لدى الفرد الناهد إلى العيش في بوتقة أخلاقية انفعالية تصبوا إلى تأمين قيم ودلالات تؤهل في الدعوة لبناء علم نفس يغوص في أعماق إنسان هذا العصر المتقدم ليستخرج الأمراض والأوبئة والإصابات التي تحد من نشاطه وتملأ حياته خوفا وقلقا وعدم استقرار.