‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذكاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذكاء. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 أبريل 2012

الذكاء



تعريف الذكاء: يذهب بنا الحديث في بادئ الأمر إلى أن تعريف الذكاء لا يزال موضع خلاف بين العلماء، غير أنهم يتفقون جميعا على الصفات التي تميز الشخص الذكي عن غير الذكي، فالذكي حسب اعتقادهم يتميز بأنه:

-         أشد يقظة وأسرع في الفهم من غيره.
-         أقدر على التعلم وأسرع فيه وأقدر على تطبيق ما تعلمه لحل ما يعترضه من مشكلات.
-         أقدر على إدراك ما بين الأشياء والألفاظ والأعداد من علاقات.
-         أقدر على الابتكار وحسن التصرف لبلوغ أهدافه.
-         أقدر على التبصر في عواقب أعماله.

الذكاء من حيث الوظيفة: يعرف ترمان الذكاء بأنه القدرة على التفكير المجرد، أما سترن فيقول: إن الذكاء هو القدرة العامة على التكيف العقلي للمشاكل ومواقف الحياة الجديدة، ويرى كهلر أن الذكاء هو القدرة على الاستبصار عند الإنسان والحيوان.

ويقول جودارد: إن الذكاء هو القدرة على الاستفادة من الخبرات السابقة في حل المشكلات الحاضرة والتنبؤ بالمشكلة المستقبلية، أما كلفن فقد اعتقد أنه القدرة على التعلم.

والواقع أن هذه التعريفات ليست متنافية كما قد تبدو من مظاهرها، بل متداخلة متكاملة حيث أن بين بعضها وبعض أوجه شبه، فالتعلم يتطلب تكيفا وتفكيرا واستبصارا، لذلك يرى بعض العلماء أن الذكاء هو مرونة التكيف.

الذكاء من حيث بناؤه: في هذا المفهوم يقول بنيه الذكاء يتألف من قدرات أربع هي: الفهم، الابتكار، النقد، القدرة على توجيه الفكر في اتجاه معين واستبقاؤه فيه، مثل تنفيذ عدة أوامر متتالية واحدة تلو الأخرى.

ويرى سبيرمان أن الذكاء قدرة فطرية عامة تؤثر في جميع أنواع النشاط العقلي مهما اختلف موضوع هذا النشاط وشكله.

ويقول ثروندايك: ليس هناك شيء اسمه الذكاء العام، بل عدد كبير من قدرات خاصة مستقل بعضها عن بعض، وأن ما يسميه العامة بالذكاء ليس إلا المتوسط الحسابي لهذه القدرات عند الفرع أي أن الذكاء العام قيمة حسابية وليس حقيقة عقلية، وذهب ترستون يقول: إن الذكاء يتألف من مجموعة القدرات العقلية الأولية.

وانطلاقا من هذه التعريفات نستطيع القول: ليس من السهل في علم النفس الوقوف على تعريفات منطقية دقيقة محددة للمفاهيم والظواهر السيكولوجية، الأمر الذي يؤدي إلى اختلاف الباحثين في فهمها وتعريفها، وقد رأينا كيف اختلف العلماء في تعريف الذكاء مثلا ... 
                    
وعلى الرغم من اختلافاتهم في تقديم تعريف منطقي موحد للذكاء، فإنهم من جهة أخرى استطاعوا صياغة مقاييس شتى تميز بالفعل بين الأذكياء وغير الأذكياء وبين الناجحين والفاشلين في الدراسة، وهذا ما أكدته التجارب والدراسات التي أجريت في ذلك الصدد حيث كانت مبررا كافيا لاستخدام مقاييس الذكاء في التنظيم المدرسي وانتقاء الطلبة للجامعة وفي الاختيار المهني ... ويكون هذا هو الأمر الذي انتهى إليه بنيه حيث قال: إن الذكاء يتألف من قدرات معينة محددة يمكن قياسها، أي أن الذكاء هو ما تقيسه اختبارات الذكاء، ولا بأس أن نشير هنا إلى مقاييس بنيه لذكاء الإنسان والذي هو كما يلي:

مقياس بنيه: اتجه الباحثون في أول أمرهم بالقياس العقلي إلى قياس بعض الصفات الجسمية قصد الوجود في بعضها دلائل على القدرة العقلية، فبدأ القياس العقلي بقياس الرأس وأبعاد الجمجمة حتى جاء بيرسون في أوائل القرن الماضي وأثبت أن الارتباط بين القوة العقلية والمظاهر الجسمية ارتباط جد ضعيف لا يعتد به.

ثم بعد ذلك اتجه القياس العقلي إلى تقدير بعض القدرات العقلية والجسمية البسيطة كالقدرة على التمييز الحسي ودرجة الحساسية للألم وسرعة الحركة والقدرة على تحمل التعب، ثم ظهر بالتدريج أن الذكاء لا يمكن أن يقاس بقياس أمثال هذه القدرات البسيطة.

فاتجه الباحثون إلى قياس العمليات العقلية كالتفكير والفهم والتخيل... حتى جاء بينه بمقياس شبه كامل للذكاء يحتوي على وحدة ثابتة للقياس تستعمل لتحديد المستويات العقلية المختلفة، وقد انتهى إلى أن الذكاء يفصح عن نفسه في أربع من القدرات العقلية وهي الفهم، الابتكار، النقد، والقدرة على توجيه الفكر وجهة معينة واستبقاؤه في هذا الاتجاه فبدأ يصوغ أنواعا مختلفة من الاختبارات تجس العقل في هذه النواحي المختلفة: اختبارات للفهم وأخرى تقيس القدرة على الحكم والتذكر والموازنة والاستخدام الصحيح للغة ومقاومة الإيحاء، ومما يذكر أن بنيه راعي في مقياسه هذا ما يلي:

-         أن تكون اختباراته متنوعة مختلفة بدل أن تقتصر على بضعة أنواع من الاختبارات كما كان يفعل سابقوه.
-         أن تكون اختباراته من النوع الذي يقيس الذكاء الخاص من أثر المعلومات المدرسية أو التعلم الخاص.

وقد تناول بنيه أول مقياس وضعه بالتعديل والتنقيح عدة مرات لإصلاح ما ظهر به من عيوب، وكان آخر تعديل ظهر له عام 1911 ويتكون من مجموعات من الاختبارات تصلح كل مجموعة منها لعمر معين ابتداء من الثالثة وتتكون كل مجموعة من 4 أو 5 اختبارات فإذا نجح طفل في الإجابة عن جميع الاختبارات إلى عمر 9 سنين مثلا وعجز عن الإجابة فيما بعد ذلك، كان مستوى ذكائه يعادل مستوى ذكاء طفل عمره 9 سنوات، وإن استطاع طفل عمره الزمني 4 سنوات أن ينجح في اختبارات سن السادسة فهو ذكي أكثر من المتوسط، وإذا كان عمره الزمني 9 سنوات ولم يرتق إلى مستوى سن السادسة فهو متأخر وربما كان ضعيف العقل، وهكذا أدخل بنيه القياس الكمي في ناحية عقلية لم يأت بها الباحثون في عهده.

ولكي نأخذ فكرة عما تقيس اختبارات الذكاء ومعرفة ما تستخدمه من مواد وما يتطلبه إجرائها من عملية عقلية، ونضرب أمثلة لبعض الأسئلة التي استخدمها بنيه وأتباعه لمختلف مستويات الأعمار:

-         مستوى 2 سنة: يطلب إلى الطفل أن يزيل الغلاف المحيط بقطعة من الشكولاطة قبل أن يضعها في فمه.
-         مستوى 2.5 سنة: يعرض على الطفل 5 ألعاب معروفة له ويطلب منه تسمية أربعة منها.
-         مستوى 3 سنوات: يعطي للطفل خيطا وكمية من الخرز ويطلب إليه أن يسلكها في الخيط، وينجح إذا سلك 4 خرزات على الأقل في مدة لا تتجاوز دقيقتين.
-         مستوى 6 سنوات: تعرض على الطفل 4 صور لوجوه أشخاص قد حذفت منها بعض الأجزاء كالأنف وعين واحدة مثلا، ويطلب إليه الإشارة إلى الأجزاء المحذوفة، وينجح إذا أعطى الجواب الصحيح لثلاث صور.
-         مستوى 9 سنوات: يطلب من الطفل أن يذكر أوجه الشبه وأوجه الاختلاف بين الخشب والفحم، وبين المركب والسيارة، وبين التفاح والبرتقال.
-         مستوى 12 سنة: يطلب للطفل أن يقدم تأويلا صحيحا لصورة حادثة تعرض عليه.
-         مستوى 14 سنة: تعرض على الطفل صورة أضيفت إليها وحذفت منها بعض الأجزاء، ويطلب إليه لماذا تبدو الصورة سخيفة؟
-         أربع مستويات للراشدين: يطلب إلى الفرد أن يقدم تعريفات حرة لـ 20، 23، 26، 30 كلمة من قائمة بها 45 كلمة، وقد تساءل الباحثون على أي أساس يقوم تقدير الدرجات لهذه الاختبارات فلماذا يطلب من المفحوص أن يعطي 4 أجوبة صحيحة من 5 أو أن يعرف 20 كلمة من 45؟

والواقع أن هذا التقدير لا يقوم على أساس تعسفي فالاختبارات تجرب قبل أن تطبق على أعداد كبيرة من الأطفال والراشدين ممن هم في نفس الأعمار، كما أن الذكاء لا يمكن قياسه في فراغ، بل في صلته بالمعرفة، بيد أنه في مقياس الذكاء لا تريد قياس المعرفة من حيث هي، بل قدرة الفرد على تحصيلها وتطبيقها والانتفاع بها، فالذكاء استخدم للمعرفة أكثر مما هو امتلاك للمعرفة وثمة فرق كبير بين معرفة خامدة تكون الصلة بينها وبين العقل كالصلة بين الماء والوعاء الذي يحتويه وبين معرفة حية مهضومة تكون الصلة بينها وبين العقل كالصلة بين الغذاء والجسم.

ويقدر بعد تقدير درجة الفرد في مقياس الذكاء ما يسمى بالعمر العقلي ويقصد به مستوى الذكاء الذي بلغه الفرد في الوقت الذي نجري عليه المقياس، أو هو درجة ذكاء الفرد بالقياس إلى أفراد من نفس سنه فيقال إن عمره العقلي 12 سنة مثلا إن استطاع أن ينجح في الاختبارات التي يجتازها طفل متوسط عمره الزمني 12 سنة، ومن المعلوم أن العمر العقلي في ذاته لا يدل على أن الفرد ذكي أو لا فالطفل الذي عمره العقلي 9 سنوات مثلا يكون غبيا إن كان عمره الزمني 12 سنة، ويكون طفلا ذكيا إن كان عمره الزمني 6 سنوات.

ومن هذا يكون من اللازم والضرورة الموازنة بين العمر العقلي والعمر الزمني للفرد، أي عدد السنوات التي عاشها فعلا، فإذا كان عمره العقلي يقترب من عمره الزمني فهو متوسط الذكاء، وإن كان يزيد عليه فهو فوق المتوسط في الذكاء، لذا اصطلح العلماء بعد بنيه على اتخاذ النسبة بين العمر العقلي والعمر الزمني وسيلة للدلالة على مقدار ذكاء الفرد أو غبائه، وتضرب هذه النسبة عادة في مائة لإزالة الكسور، وتسمى القيمة الناتجة (نسبة الذكاء) وبعبارة أخرى نقول إن نسبة الذكاء هي قيمة الناتجة عن تقسيم العمر العقلي على عمره الزمني مضروبة في مائة، فمثلا نسبة ذكاء طفل عمره العقلي 10 سنوات  وعمره الزمني 8 فتساوي 10 على 8 في 100 وتساوي 125، وبقدر ما تزيد هذه النسبة على 100 يعلو ذكاء الفرد على المتوسط، وعلى قدر ما تقل عن 100 ينخفض ذكاء الفرد بقليل أو بكثير.

وعليه نستطيع القول إن نسبة الذكاء قد تدل على أن الفرد ذكي أو متوسط أو غبي، لكنها لا تدل على مدى ما لديه من تفوق أو تأخر، وقد طبق مقياس الذكاء لبنيه على نطاق واسع، ودلت نتائجه على أن الذكاء موزع بين الناس توزيعا وفق المنحنى الاعتدالي، حيث يدل الإحصاء أننا إذا قسمنا أية صفة لدى مجموعة كبيرة جدا من الأفراد وجدنا أن توزيع هذه الصفة يتبع نموذجا خاصا مهما كان نوع الصفة المقيسة جسمية كانت كالطول أن عقلية كالذكاء.

ومما يلاحظ في توزيع نسب الذكاء لدى مجموعة كبيرة من الناس أن نصف المجموعة متوسط الذكاء، تتراوح نسب ذكائه بين 90 و 110، وأن عددا ضئيل من المجموعة ينحط ذكاءه عن 60 ثم يزداد هذا العدد بصورة تدريجية حتى يبلغ نهايته العظمى عند نسبة 100، ثم يتناقص بعد ذلك بصورة تدريجية أيضا على النحو الذي ازداد به حتى يصل إلى نهايته الصغرى عند نسبة 140.

ونعرض فيما يلي نسب الذكاء حسب ما اتفق عليه العلماء:

-         من تزيد نسبة ذكائه على 140 يعتبر عبقريا.
-         من تكون نسبة ذكائه من 120 إلى 140 يعد ذكيا جدا.
-         من تكون نسبة ذكائه من 110 إلى 120 يعد فوق المتوسط.
-         من تكون نسبة ذكائه من 90 إلى 110 متوسط الذكاء.
-         من تكون نسبة ذكائه من 80 إلى 90 دون المتوسط.
-         من تكون نسبة ذكائه من 70 إلى 80 يعد غبيا جدا.
-         من تكون نسبة ذكائه أقل من 70 فهو ضعيف العقل.
-         من تكون نسبة ذكائه من 40 إلى 50 فهو أهوك.
-         من كانت نسبة ذكائه من 20 إلى 40 فهو أبله.
-         من كانت نسبة ذكائه أقل من 20 فهو معتوه.

ولكي يتضح مفهوم الذكاء ويتحدد فهم التعاريف والنظريات المختلفة التي جاء بها العلماء، نلقي نظرة وجيزة على مراتبه السفلى والعليا لدى الإنسان:

المعتوه: هو شخص يبدو عجزه عن التعلم حيث لا يستطيع أن يتعلم كيف يغسل يديه أو يلبس ثيابه، بل قد يعجز عن أن يطعم نفسه بنفسه أو ضبط مثانته، أما لغته فلا تزيد عن العادة على بضع مقاطع مما يجعله عاجزا عن الاتصال بغيره عن طريق اللغة، ومن أهم ما يميز عجزه عن القيام بأي عمل إرادي هو أنه مهما كبر عمره الزمني لم يزد مستواه العقلي على مستوى طفل في الثانية أو الثالثة من العمر.

الأبله: هو شخص يستطيع أن يتجنب ما يعرض له في الحياة اليومية من أخطار، كما أنه يقدر على بعض الكلام، لكنه يعجز عن تعلم القراءة وعن القيام بكثير من الأعمال المعقدة، ومهما كبر في السن فإن مستواه العقلي لا يزيد على مستوى طفل السادسة من العمر.

الأهوك: هو شخص يتسنى له القيام ببعض النمطية البسيطة، كالنجارة والتغليف ... وقد نجحت مؤسسات ضعاف العقول في تدريب هذا الصنف على كثير من المهن التافهة بخاصة إن كانوا من ذوي المزاج المستقر غير المتقلب، والأهوك في سن الكبر يتراوح مستواه العقلي بين 8 و 11 سنة عقلية.

ضعيف العقل: هو شخص من انحط ذكاؤه بحيث أصبح عاجزا عن التعلم المدرسي وعاجزا عن تدبير شؤونه الخاصة دون إشراف، وضعف العقل طبقات متداخلة منها المعتوه الأبله والأهوك.

الموهوب: هو شخص أسبق وأسرع وأكثر تفوقا في تحصيله الدراسي من زملائه بخاصة في المواد التي يتطلب النجاح فيها القدرة على التفكير المجرد كاللغة والرياضيات، وقد دلت اختبارات الشخصية على أن الموهوب بوجه عام يفوق المتوسط في قوة الإرادة والمثابرة والرغبة في التفوق والثقة في النفس وحسن التصرف في المواقف الاجتماعية، وعلى العموم فإن مرتبة الطفل الموهوب ذي التاسعة من العمر كمرتبة الطفل المتوسط ذي الثانية عشرة من العمر.

الذكاء ونظرية سبيرمان: أجرى سبيرمان عددا كبيرا من الاختبارات العقلية والاختبارات الدراسية التي تقيس التحصيل الدراسي على مجموعات كبيرة من الأطفال ثم قدر معاملات الارتباط بين كل واحد منها وسائرها، فافترض أنه إذا كان التفوق في قدرة يرتبط بالتفوق في القدرات الأخرى كان هذا دليلا على وجود ذكاء عام، وإذا كان التفوق في قدرة مستقلة عن التفوق في القدرات الأخرى فإنه لم يكن هناك ذكاء عام، فلاحظ أن جميع المعاملات موجبة جزئية، أما كونها موجبة، فيشير إلى أن هناك عاملا مشتركا يؤثر فيها جميعا، وأما كونها جزئية فيشير إلى أن هناك عواملا أخرى غير هذا العامل المشترك تؤثر فيها ومن ثم انتهى إلى النتائج التالية:

-         إن كل اختبار وكل إنتاج عقلي يؤثر في أدائه عاملان، عامل عام مشترك يؤثر في نتيجة هذا الاختبار أو الإنتاج وفي نتيجة كل اختبار آخر يؤديه الفرد، وعامل خاص يقتصر أثره على هذا الاختبار أو هذا الإنتاج وحده دون غيره، فقدرة الفرد على السباحة أو التصميم الهندسي أو التفكير العلمي أو التعامل الاجتماعي أو حفظ الشعر تتوقف كل واحدة منها على فعل عامل عام وعلى عوامل خاصة بكل قدرة منها.
-         وقد أطلق سبيرمان الحرف (G) على العامل الذي يقابل الاستعداد العقلي العام للفرد والحرف (S) على العوامل الخاصة التي تقابل الاستعداد العقلي الخاص لأداء عمل خاص.
-         وجد سبيرمان عن طريق الاختبار والتقدير الإحصائي أن الاختبارات التي تقيس العمليات العقلية العليا كالاستدلال والابتكار يتطلب النجاح فيها قدرا كبيرا من العامل العام أكثر من توقفه على العوامل الخاصة.

ومن ثم اعتبر أن هذه العمليات مشبعة بالعامل العام، في حين أن الاختبارات التي تقيس عمليات حسية أو التي تقيس التذكر يتوقف النجاح فيها على العوامل الخاصة أكثر من توقفه على العامل العام، وعلى هذا لاحظ أن الاستعداد العقلي العام للفرد قد يكون قويا ومع ذلك يعجز عن إجادة الرسم عن كانت استعداداته الخاصة في هذا المجال ضعيفة، وقد يكون استعداده العقلي العام غير قوي ومع ذلك يتفوق في هذه الناحية إن كانت استعداداته الخاصة لها قوية.

واستخلص سبيرمان أن أحسن الاختبارات التي تقيس الذكاء كما يفهمه عامة الناس هي أكثر الاختبارات تشبعا بالعامل العام فاتجه بعد ذلك إلى تسمية هذا العامل العام (G) بالذكاء العام.
ثم انتهت نظرية سبيرمان في جملتها إلى ما يلي:

-         إن الذكاء ليس عملية عقلية معينة كالاستدلال والتذكر أو التعلم، بل عامل عام أو قدرة عامة تؤثر في جميع العمليات العقلية بنسب متفاوتة وتشترك معه عوامل خاصة تختلف باختلاف العملية.
-         إن الفروق الفردية بين الناس في الذكاء تبدو في اختلاف قدراتهم على استنباط العلاقات، فكلما استطاع الفرد استنباط علاقات أكثر تعقيدا وتجريدا كلما كان مستوى ذكائه عاليا، أي أن الذكاء في جوهره إدراك العلاقات الصعبة والدقيقة.

الذكاء ونظرية ثرستون: يرى ثرستون ممثل مدرسة تحليل العوامل أن ما يسميه سبيرمان بالذكاء العام أو العامل العام يمكن تحليله إلى عدد من القدرات أو العوامل الأولية، فقد طبق عددا كبيرا من الاختبارات اللفظية والعملية المختلفة التي يقتضي أدائها ما نسميه بالذكاء على عدد كبير من طلبة المدارس الثانوية، وقدر معاملات الارتباط بين كل اختبار وسائر الاختبارات فاتضح ما يلي:

-         إن اختبارات الذكاء لا تقيس قدرة عامة واحدة، بل سبعة من القدرات العقلية أو العوامل الأولية وهي:
-         القدرة على فهم معاني الألفاظ.
-         الطلاقة اللفظية.
-         القدرة العددية.
-         القدرة على التصور البصري المكاني.
-         سرعة الإدراك.
-         القدرة على التذكر.
-         القدرة على الاستقراء.

إن هذه القدرات الأولية مستقل بعضها عن بعض استقلالا نسبيا لا مطلقا بمعنى أن الشخص الذي يتفوق في اختبارات قدرة ما كالقدرة العددية مثلا ينزع إلى التفوق في اختبارات القدرات الأخرى، غير أن هذه النزعة أضعف من نزعة التفوق في الاختبارات التي تقيس قدرة واحدة، فالارتباط بين القدرة العددية والقدرة اللفظية أضعف من الارتباط بين القدرة على الجمع والقدرة على الطرح والقدرة على الضرب أو على القسمة.

وهكذا اعتقد ثرستون أن للذكاء العام مركب يتألف من بضع قدرات أولية بنسب معينة كما أن الضوء يتألف من أضواء أولية بنسب معينة، استعاض عن اختبارات الذكاء التقليدية باختبارات القدرات الأولية.

وما نستطيع قوله هو إن ثرستون وجد في بادئ الأمر إن القدرات الأولية مستقل بعضها عن بعض استقلالا نسبيا لا مطلقا حيث اتضح له أن هناك ارتباطا بين ما يعرف بالذكاء وبين كل قدرة من هذه القدرات، لكنه في نهاية الأمر اعترف عن طريق منهجه الخاص في تحليل العوامل بوجود عامل عام مشترك يؤثر في كل إنتاج عقلي، ومنه أصبح العامل من حيث هو قدرة عقلية عامة، حقيقة عند أكثر من أتباع تحليل العوامل.

الشخصية



تعريف الشخصية: تعني كلمة الشخصية كما يفهم من استخدامها في اللغة العامية البروز والظهور، ونجد هذا المعنى بالتقريب في اللغات ذات الأصل اللاتيني الذي يدل على القناع الذي يضعه الممثل بخاصة المسرحي ليتقمص الشخصية، ويعتبر موضوع الشخصية من أهم المواضيع التي اهتم بدراستها الفلاسفة وعلماء النفس والأنتربولوجيون، فكانت دراستهم تكمن في محاولة تصنيف شخصيات الناس في تصانيف معينة تهدف كلها إلى محاولة استنتاج أخلاق الناس وانفعالاتهم وأمزجتهم واتجاهات ودوافع سلوكهم من خلال خصائص جسمية ونفسية معينة.

ونرى أنه شغف العقل منذ أفلاطون بالتصنيفات الثنائية، غير أن هذه التصنيفات ليست في الحقيقة سوى تبسيطات تخالف ما عليه الشخصية وما تتميز من تفاعل ودينامية.

وما الأمزجة الأربعة لجالينون إلا فرضية سبق إليها القدماء حيث كان اعتقادهم أن العناصر الأربعة: النار، الهواء، الماء، التراب تمتزج في الإنسان بنسب مختلفة فتتكون جميع المواد التي تحدد فيما بعد طبيعة وطراز شخصيته.

وذهبت فرضية جالون إلى أن الأخلاط الأربعة: الدم، الصفراء، السوداء، والبلغم، تمتزج في الإنسان امتزاجا متكافئا متزنا لكن قد يغلب أن تزيد نسبة أي خلط من هذه الأخلاط وامتزاجها بنسب غير متوازنة، مما يسبب أسلوبا انفعاليا خاصا بالفرد يسمى المزاج، وقد اكتسب هذا المصطلح معان مختلفة خلال العصور، فهو يستخدم عند البعض مرادفا للوراثة، وعند البعض الأخر يستعمل للدلالة على الخصائص التكوينية، أي النمو الجسمي منذ بدايته الجنينية وما يتصل بذلك من ظواهر انفعالية وحسية حركية واقتصر عند آخرين للدلالة على الاستجابات الانفعالية المتواترة.
أما النظريات التي تناولت دراسة مفهوم الشخصية فكانت تنظر إليها من ناحية نوع العوامل المركز عليها، هذه النظريات جاءت في قسمين كبيرين وهما كما يلي:

القسم الأول: اهتم بدراسة العوامل التكوينية التي لها دورا حاسما في تكوين الشخصية، واشتهرت هذه النظريات باسم النظريات التيبولوجية التي تدرس الأنماط البشرية.

القسم الثاني: اهتم بدراسة الشخصية من خلال دراسة السلوك حيث أن للسلوك عوامل متعددة وأن إبراز والتأكيد على بعضها لا يعني في النهاية إلغاء بعضها الآخر.

وقد قام آلبرت مؤسس الأبحاث في الشخصية بدراسة تتبعية إحصائية لاستخدامات كثيرة ومختلفة لكلمة الشخصية، وأحصى حوالي 50 استعمالا في ميادين الفلسفة وعلوم الدين والأنثروبولوجية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم التربية، وبصفة عامة يمكن تصنيف هذه الاستعمالات في صنفين وهما كما يلي:

الصنف أول: يستخدم هذا الصنف كلمة الشخصية للدلالة على المظهر الخارجي للفرد، وفي هذا المستوى يشترك هذا المعنى مع الاستخدام الشائع عند عامة الناس، فنميل إلى الحكم على الآخرين بناءا على مظهرهم الخارجي وقد تجعلنا ملامح الوجه وشكل الجسم ودرجة تناسق الأعضاء نصف شخصا ما نراه لأول مرة بأنه طيب أو خير، أو أنه شرير، هذه النزعة سادت في المدرسة الإيطالية التي وضعت مقاييس للجمجمة والأنف والقدم للبحث عن الاستعدادات المهيأة للإجرام والجنوح.

الصنف الثاني: يدل هذا الصنف على البطانة أي القالب الداخلي وهذا الجانب هو ما تعبر عليه الحكم والأمثال الشعبية والعقل الجماعي، وبناءا على هذا التصنيف فإنه يبدو أن المعنى الأول هو أقرب إلى الاستعمال في علم النفس الحديث بينما يكون النوع الثاني أقرب إلى الفلسفة أو علوم الدين التي تبحث عن الروح والجوهر والنفس بالمعنى الماورائي.

غير أنه في الواقع نجد كلا الاتجاهين موجودين في الدراسات النفسية، فنجد مثلا نموذجا في الاتجاه الأول عند السلوكيين الذين يصفون الشخصية من خلال السلوك الظاهري حيث يقول واطسن: (إن الشخصية تمثل مجموعة النشاط الذي يمكننا ملاحظته بطريقة مباشرة ولمدة طويلة وبهذا المعنى تكون الشخصية حاصل أو مجموع استجابات فرد معين).

ونجد نموذجا من النوع الثاني من التعريفات عند جميع علماء النفس الذين يعترفون بوجود بطانة للشخصية، أي عمليات داخلية وكمثال لذلك تعريف وارن الذي يقول: (إن الشخصية عبارة عن ذلك التنظيم أو النسق الذي يميز الفرد بمرحلة من مراحل نموه ويتضمن ذلك التنظيم الجوانب العقلية والمزاجية والاستعدادات والاتجاهات والأخلاق)، وبصفة عامة يمكن أن نصف مجموع التعريفات الخاصة بالشخصية على النحو التالي:

-         تعريفات تجميعية التي تعتبر الشخصية حاصل أجزائها دون الاهتمام بطريقة انتظامها، أي أنها لا تنظر إليها في حالة التفاعل وهذا الاتجاه اختص به أصحاب المدرسة الترابطية.
-          تعريفات ذات الاتجاه التنظيمي التي تؤكد على البناء الذي يميز الشخصية عن مكوناتها الجزئية ومن أبرز ممثليها ماك دوجل وأصحاب الغرض الذين يرون أن الشخصية تنتظم بشكل هرمي تتسع قاعدته باستمرار وهي الاستعدادات، وقمته عاطفة تقدير الذات وبواسطة هذا التنظيم الهرمي تتكون العواطف التي بدورها تنظم فيما يسمى الخلق أو الطبع وتختلف قوة الخلق باختلاف درجة التماسك والانسجام في ذلك البناء الهرمي.
-          أما الاتجاه الثالث من التعريفات فيهتم بجانب التكيف والتوافق، أي ينظر إلى الشخصية في ضوء العلاقة بالآخرين وفي ضوء توقعاته لاتجاهات الآخرين نحوه، وتكون الشخصية من نتيجة تلك التوقعات والعلاقات مع الآخرين.

ويمثل النوع الرابع الجزء الكامن في الشخص بالإضافة إلى المظهر الخارجي والمميزات العضوية، فهناك سمات يمكن قياسها وعزلها عن التقييم الاجتماعي، أي أن الشخصية بالإضافة إلى أنها تفاعل عوامل عضوية وأخرى غير عضوية، فإن لها أساس عام خارج عن كل تقييم اجتماعي.

والنوع الخامس من هذه التعريفات ذلك الذي يعتمد على التمييز بين الأفراد، أي علم النفس الفارق، فالشخصية من جهة نظر هذا الاتجاه هي كل ما يميزه فردا عن آخر.

ويعتبر هذا الاتجاه ردا على الاتجاه الأنثروبولوجي الثقافي خاصة أصحاب مدرسة النمط الثقافي الذين بالغوا في أثر العوامل الثقافية في صياغة الشخصية الفردية والاجتماعية، أما إذا تكلمنا عن مفهوم الشخصية من خلال عملية التنشئة أو كما يبدو من خلال تناول الثقافة أي أصحاب النزعة الثقافية وعلماء الأنثروبولوجية المتأثرين بمفاهيم علم النفس وبخاصة مفاهيم التحليل النفسي، فإننا نتناول مفهوم الشخصية القاعدية، أي الإطار العام الذي يشترك فيه جماعة من الأفراد ينتمون إلى ثقافة واحدة، ولفهم الشخصية القاعدية ينبغي أن نعرف أن ماضي الفرد يشمل مجموعة الخبرات التي يعرفها هذا الشخص، وكذلك معرفة الماضي الذي يشترك فيه مع جماعة ثقافية أو حضارية، لأن الحاضر يتناول الموقف الراهن وقد يكون سلوكه في الموقف الحاضر ضعيفا أي لا يظهر في ذلك الوقت بالذات.   

واعتمادا على ما سبق ذكره نتناول بعض المفاهيم المتداخلة والقريبة للشخصية:

-         الذكاء: من المعروف أن الوظائف العقلية بخاصة الذكاء حظيت منذ وقت مبكر باهتمام علماء النفس ذلك لأغراض علمية وعملية، وأما الشخصية كما سبق ذكره، فهي ذلك التنظيم الذي يجمع بين الوظائف العقلية والانفعالية والوجدانية وينظر إليها في موقف من مواقف البيئة أو في موقف معين وبالتالي فإن العلاقة بين الذكاء والشخصية هي علاقة الجزء بالكل وعلاقة بين تنظيمين مختلفين ينتمي أولهما (الذكاء) إلى ما هو قريب من الجانب المادي وعلاقته الثابتة نسبيا، إذ في حالة الذكاء يمكن القول: إن استجابة الفرد صحيحة أو خاطئة وهو ما تهدف إليه اختبارات الذكاء لأننا نستند إلى معايير موضوعية، أما التنظيم الثاني (الشخصية) فهو لا يخضع لمعايير موضوعية، فأقصى ما نستطيع قوله هو أن استجابة الفرد استجابة تؤدي إلى التوافق أو التكيف أو لا تؤدي إلى ذلك...
-          الخلق: هو نظام من الاستعدادات أو السمات تمكننا من التصرف بصورة ثابتة نسبيا حيال المواقف الأخلاقية والعرف ويستخدم علماء النفس كلمة الخلق للدلالة على الجانب الأخلاقي من الشخصية وليس الشخصية كلها، وما يميز ما نتقبله وما نرفضه من الشخص وفقا للمعايير السائدة في المجتمع، فهو بذلك يتميز عن الشخصية في الحكم على السلوك من الناحية الأخلاقية، وقد عبر ألبرت عن هذا بقوله: (أن الشخصية عندما نحكم عليها أو نقدرها أخلاقيا).
-          المزاج: اكتسب هذا المصطلح معان مختلفة خلال العصور فهو يستخدم عند البعض مرادفا للوراثة، ويطلق عند البعض الآخر ليدل على الخصائص التكوينية للنمو الجسمي منذ بدايته الجنينية وما يتصل بذلك من ظواهر انفعالية وحسية وحركية، يقتصر عند البعض الآخر على الاستجابة الانفعالية المتواترة.

والمزاج جملة من الصفات التي تتوقف في المقام الأول على عوامل وراثية منها: حالة الجهاز العصبي والغددي الهرموني، كما يتوقف أيضا على الصحة العامة للفرد لذلك يكون من الصعب تغيير السمات المزاجية للشخصية.

سمات الشخصية: سبق أن أشرنا إلى أننا نحكم على شخصيات الناس في حياتنا اليومية أحكاما عامة، فنقول إن فلانا ذو شخصية قوية أو ضعيفة ... غير أن علم النفس ينظر إلى شخصيات الناس نظرة تحليلية من زوايا مختلفة، هذه الزوايا تسمى (سمات الشخصية) أو (أبعاد الشخصية)، ومفهوم البعد مستمد من مفاهيم العلوم الرياضية والطبيعية، فالأمانة والسيطرة على الناس وعقدة النقص والقدرة على احتمال الشدائد ... من سمات الشخصية أو من أبعادها، وتعرف السمة بأنها استعداد دينامي او ميل ثابت نسبيا، إلى نوع معين من السلوك، أي يبدو أثره في عدد كبير من المواقف المختلفة، فالسيطرة استعداد أو ميل إلى الظهور أو التسلط في أكثر المواقف التي تعرض للمسيطر، نقول في أكثرها لا في جميعها والمثابر استعداد للاستمرار في العمل رغم صعوبته وثقله في مواقف كثيرة يختلف فيها نوع العمل.

وما نستطيع قوله في هذا الصدد السمات التي تميز شخصيات الناس بعضها عن بعض ليست صفات طارئة عابرة عارضة، أي تتوقف على المواقف الخاصة التي تتعرض للفرد، بل صفات ثابتة نسبيا، أي يبدو أثرها لديه في عدد كبير من المواقف المختلفة، وعلى هذا فمعرفة سمة معينة للشخص تساعد على التنبؤ بسلوكه إلى حد كبير.

وذهب الاعتقاد بفريق من علماء النفس إلى أن الشخصية تتألف من سمات عامة ثابتة مطلقا، أي من استعدادات داخلية عامة مستقلة عن الظروف والمواقف الخارجية، فالأمين أمين في كل المواقف في بيئته وفي عمله ومع أصدقائه، فالسمات صفات ثابتة لاصقة بالفرد كأنها بصمات أصابعه.

غير أنه هناك فريقا آخر كان يرى أن الشخصية لا تتكون من سمات عامة ثابتة ثباتا مطلقا أو ثباتا نسبيا، بل من مجموعة من السمات أو العادات النوعية، أي التي تتوقف على نوع الموقف وهذا رأي المدرسة السلوكية وأتباعها الذين كانوا يرون أن  سلوك الفرد مقيد بالموقف الذي يكون فيه لا بسمات عامة ثابتة لدى الشخص ويعزز هؤلاء رأيهم بتجربة قام بها هارتشورن وماي على الأطفال من مختلف طبقات المجتمع الأمريكي بغية قياس بعض السمات الخلقية لديهم كالأمانة والتعاون، فتوصلا إلى أن الطفل قد يغش في الامتحان ولا يغش في اللعب، وقد يكذب على معلم ولا يكذب على زميل له وقد يخاف في موقف ولا يخاف في موقف آخر، فكانت خلاصة هذه التجربة أنه ليس هناك أطفال أمناء وأطفال غير أمناء، بل أفعال أمينة وأفعال غير أمينة.

واستنادا إلى رأي هذين الفريقين نستطيع القول: إن كلا الرأيين متطرف، حيث أن الفرد ليس أسير الظروف إلى الحد الذي انتهت إليه السلوكية، وليست سماته عامة بحيث يظل سلوكه ثابتا مهما اختلفت المواقف والظروف، فأغلب الناس أمناء في بعض المواقف وغير أمناء في مواقف أخرى، وقد دلت الدراسات التجريبية على خطأ هذين الرأيين وأثبتت أن سلوك الراشدين ثابت إلى حد كبير، لكنه ليس ثابت مطلقا.

والواقع أن السلوكية قد تورطت في خطأ مزدوج حين سارعت إلى التعميم من تجارب أجريت على الأطفال، من ناحية وعلى سمات معينة دون غيرها من ناحية أخرى، ذلك أن الأمانة والتعاون من السمات والاتجاهات النفسية العامة المجردة، فهي تحتاج إلى وقت تدريب طويل حتى تتكون وتستقيم في نفس الفرد، ونعلم أن الطفل يكون أمينا في مواقف خاصة ولابد له من وقت طويل حتى ينتقل أثر تدريبه إلى مواقف أخرى شبيهة بالأولى، أي لابد له من وقت حتى يكتسب مبدأ الأمانة، فليس إذن من المستغرب أن نجد هذه السمات وأمثالها غير ثابتة لدى الأطفال.

وما نستطيع قوله هو أنه هناك سمات واضحة يشعر بها الفرد بوجودها كسمات الصداقة أو ضبط النفس أو حب الاجتماع بالناس أو الروح الاجتماعية، وأخرى لا شعورية مكبوتة لا يدرك الفرد الصلة بينها وبين سلوكه كالرغبة والعواطف والمخاوف المكبوتة وهي سمات يصدر عنها سلوك رمزي قسري أو سلوك لا يتسم بما يتسم به كل سلوك صادر عن الكبت.

طرز الشخصية: سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان اهتم منذ القدم بمحاولة تصنيف شخصيات الناس لاستنتاج أخلاقهم وانفعالاتهم وأمزجتهم واتجاهات ودوافع سلوكهم من خلال خصائص جسمية ونفسية معينة.

وقد قام العلماء منذ الوهلة الأولى بدراسة فئات أو أصناف من الأفراد يشتركون في نفس الصفات العامة وإن اختلفت بعضها عن بعض في درجة اتسامها بهذه الصفات، ونقدم فيما يلي أهم طرز الشخصية التي انتهى إليها العلماء:

الطرز الجسمية: ذهب الاعتقاد ببعض العلماء إلى أنه يمكن تصنيف شخصيات الناس انطلاقا من الطرز الجسمية، حيث أن الطراز الجسمي يحدد شخصية صاحبه على نحو ما ويعتبر تصنيف كرتشمر التصنيف الذي لاق رواجا كبيرا في العصر الحديث، حيث أكد على وجود ثلاثة طرز جسمية وهي كما يلي:

الطراز المكتنز: يرمز إلى الشخص القصير السمين الذي يتميز بالمرح والانبساط والصراحة وسرعة التقلب وسهولة عقد الصداقات.

الطراز الواهن: وهو الشخص الطويل النحيل الذي يتميز بالانطواء والاكتئاب.

الطراز الرياضي: يتميز أصحاب هذا الطراز بالنشاط والعدوانية.

ثم ظهر فيما بعد أنه من الممكن تصنيف الناس في هذه الطرز الثلاثة التي جاء بها كرتشمر، حيث دلت بعض الدراسات أن 45% من الطراز المكتنز يتسمون بالانبساط وأن 35% يتسمون بالانطواء.

الطرز الهرمونية: ذهب برمان وأتباعه إلى دراسة أثر الغدد الصماء في الشخصية، وأطلقوا عليها اسم (غدد الشخصية) ليشيروا بذلك إلى أننا نرث جهازا غديا يطبع شخصيتنا ويوجهها إلى الخير أو إلى الشر إلى الصحة أو إلى المرض ثم ذهبوا يصنفون شخصيات الناس حسب النشاط الهرموني السائد لديهم، وانتهوا إلى التصنيفات الآتية:

الطراز الدرقي: ويمثل الشخص المتهور السهل الاستثارة القلق الذي يميل إلى العدوان.

الطراز الإدرناليني: ويتميز صاحبه بالمثابرة والنشاط القوي.

الطراز الجنسي: يمثله الشخص الخجول السهل الاستثارة للضحك أو البكاء.

الطراز النخامي: ويتميز أفراده بضبط النفس والسيطرة عليها.
الطرز المزاجية: يعتبر هذا التصنيف الذي جاء به هبوقراط من أشهر التصانيف القديمة، حيث قسم الناس إلى أربع فئات حسب المزاج الغالب لديهم، وهي كما يلي:

الطراز الدموي: يرمز إلى الشخص المتفائل المرح النشط الممتلئ الجسم السهل الاستثارة وسريع الاستجابة لا يهتم إلا باللحظة الحاضرة، ولا يأخذ الأمور بجدية، ومن أظهر ما يميزه التقلب في السلوك، وهو ما يعرف في العامية بالهوائي.

الطراز الصفراوي: وهو القوي الجسم الطموح العنيد الذي يتميز بحدة الطبع وسرعة الغضب.

الطراز السوداوي: ويمثله الشخص البطيء التفكير لكنه قوي الانفعال وثابت الاستجابة، يعطي أهمية بالغة إلى كل ما يتصل به كما يجد صعوبة في التعامل مع الناس، وأهم ما يميزه الانقباض والتشاؤم و الانطواء.

 الطراز البلغمي: وهي فئة تتميز ببطء الاستثارة والاستجابة ويكون هذا الصنف من الناس خاملا بليدا، وبدينا ضحل الانفعال.

وقد اعتقد القدماء أن كل طراز يرجع إلى غلبة عنصر أو مزاج خاص في الجسم كالدم أو الصفراء أو البلغم أو السوداء، وكانوا يرون أن الشخصية السوية المتزنة تنشأ من توازن هذه الأمزجة الأربعة.

الطرز النفسية: يعود هذا التصنيف إلى يونغ الذي صنف الناس في فئتين: منطوي ومنبسط، ذلك حسب أسلوبهم العام في الحياة، وهما كما يلي:

المنطوي: هذا الصنف من الناس يجد صعوبة في الاختلاط بالناس، فيميل إلى العزلة والاعتكاف ويتحاشى الصلات الاجتماعية ويقابل الأشخاص الغرباء في حذر وتحفظ، كما يتميز بالخجل وبشدة الحساسية لملاحظات الناس، يجرح شعوره بسهولة، كثير الشك في نيات الناس ... يهتم كثيرا بالتفاصيل ويضخم الصغائر.

وهو أيضا متقلب المزاج دون سبب ظاهر ويسرف في ملاحظة صحته ومظهره الخارجي ودائم التأمل في نفسه وتحليلها لذا فهو يهتم بأفكاره ومشاعره أكثر من اهتمامه بالعالم الخارجي.

المنبسط: وهو الشخص الذي يقبل على الدنيا في حيوية وصراحة، يصافح الحياة وجها لوجه، يتلاءم بسرعة مع المواقف الطارئة ويعقد صلات مع الناس بكل سهولة، غير أنه لا يهتم كثيرا بصحته أو هندامه أو بالتفصيل والأمور الصغيرة، وهو لا يتكلم ما يجول في نفسه من انفعال، كما يفضل الأعمال التي تتطلب نشاطا واشتراكا معا الناس.

والواقع أن هذه الصفات لا تمثل إلا الحالات المتطرفة من الشخصيات، وأن السواد الأعظم من الناس خليط منها على درجات كبيرة متفاوتة، ودلت الاختبارات التي تقيس الانطواء والانبساط والتي طبقت على عدد كبير من الناس، على أن الناس لا ينقسمون إلى مجموعتين متمايزتين من المنطويين والمنبسطين، بل أن أكثرهم ليسوا من هؤلاء أو أولئك، فكما أن معظم الناس ليسوا أقزاما أو عمالقة، بل متوسطوا الطول، وكما أنهم ليسوا جميعا أغبياء أو عباقرة، بل ذو ذكاء متوسط، كذلك دلت الاختبارات على أن أكثرهم ليسوا منطوين أو منبسطين، بل وسط بين ذلك، وقد يكون المنطوي ذكيا أو غبيا، طموحا أو بليدا، مثابرا أو غير مثابر.