‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفكير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التفكير. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 أبريل 2012

التفكير


تعريف التفكير: التفكير هو نشاط عقلي أدواته الرموز ويقصد بالرموز كل ما ينوب عن الشيء أو يشير إليه أو يحل محله في غيابه ... أي يستعيض عن الأشياء والأشخاص والمواقف والأحداث برموزها بدل من معالجة فعلية واقعية ... والرموز التي يستخدمها التفكير أدوات مختلفة كل الاختلاف منها الصور الذهنية والمعاني والألفاظ، ومنها الذكريات والإشارات والتغيرات والصيغ الرياضية ... الخ.

وبهذا المعنى العام، يشمل التفكير جميع العمليات العقلية من التصور والتذكر والتخيل إلى عمليات الحكم والفهم والاستدلال والنقد وغيرها، ومنه يتضح أن للتفكير مستويات تختلف معنى ومفهوما كما سنرى فيما بعد عند تناول مستويات التفكير.

والتفكير من حيث هو نشاط قد ساعد الإنسان على حل الكثير من مشاكله في ذهنه دون أن يكلف نفسه عناء معالجتها في العالم الخارجي الواقعي، كما ساعده في استعراض الماضي والانتفاع من خبراته السابقة، حيث انتهى علماء النفس إلى أن التفكير لا يمكن أن يحدث دون استرجاع لما تعلمناه من قبل، إذ أننا لا نستطيع حل تمرين هندسي أو الإجابة عن سؤال أو حل  مشكلة اجتماعية دون استخدام ما تعلمناه في الماضي، فالاسترجاع شرط ضروري للتفكير غير أن التفكير يتضمن أكثر من مجرد الاسترجاع إن كان يستهدف حل مشكلة أو ابتداع شيء جديد إذ يقتضي في هذه الأحوال إعادة تنظيم ما سبق في الماضي لحل المشكلة الحاضرة الراهنة، وقد دلت تجارب الاستبطان على أنه من الممكن استرجاع أحداث الماضي بطرائق مختلفة منها:

الصورة الذهنية: وتشمل  الصور الحسية والصور اللفظية، وهذا ما يعبر عن التصور أو التخيل، والصورة الذهنية هي خبرة أو واقعة ذات طابع حسي يستحضرها الشخص في ذهنه ويختلف الناس من حيث نوع الصورة الذهنية التي تغلب على تفكيرهم، فبعضهم يسهل عليه تصور المناظر وأشكال الأشياء وآخرون يسهل عليهم تصور الأصوات أو المرئيات والمسموعات، وقد حاول بعض العلماء تصنيف الناس حسب الصورة الغالبة على تفكيرهم إلى طرز تصورية فهناك البصريون والسمعيون والحركيون ... الخ.

غير أن التجارب والدراسات الحديثة انتهت إلى عكس ذلك ودلت على أن أغلب الناس من صنف خليط، وأقلهم يقتصر تصوره كله على نوع واحد من الصور، واعتبرت من جهة أخرى أن أغلب الصور الذهنية مركب، أي يتكون من عناصر حسية مختلفة يندمج بعضها في بعض ... وأننا نصفها بأظهر عنصر فيها.

اللغة الصامتة: تدل على أن التفكير عن طريق النشاط الحركي الدقيق غير الظاهر لأعضاء النطق، وتبدو هذه اللغة الصامتة حين يتحدث الإنسان إلى نفسه وهو يفكر، فكثيرا ما يكون التفكير حوارا بين الشخص ونفسه، يكلم الفرد في أثنائه نفسه فقد يصدر إليها أوامر أو يقدم لها النصح ... كذلك يبدو هذا الحديث الصامت أثناء القراءة الصامتة وأثناء الكتابة، وقد برهنت التجارب على أن التفكير غالبا ما يقترن بهذه اللغة الصامتة الباطنة، كما دلت تجارب أخرى استبطانية على أن الفرد يستطيع استرجاع الماضي وأن يفكر دون صور ذهنية ودون حديث صامت، بل عن طريق الشعور العقلي لمعان وأفكار غير مصوغة في ألفاظ، كما في التفكير الرياضي والفلسفي.

التفكير واللغة: سبق أن أشرنا إلى أن التفكير يتوقف إلى حد كبير على الصور الذهنية الحسية السمعية البصرية اللمسية ... وفي مقابل هذه الصور الحسية توجد الصور اللفظية، وتبقى اللغة في هذا الصدد من عوامل تنظيم التفكير وتسييره وتوضيحه، حيث كانت وتكون عونا كبيرا على التفكير، وقد شغفت هذه الصلة الوثيقة بين اللغة والتفكير بعض الباحثين الذين اعتقدوا أن اللغة شرط ضروري لكل تفكير، أي أنه لا تفكير بغير لغة، بل لقد صرح واطسن على أن التفكير ما هو إلا مجرد حديث صامت باطن، غير أنه اتضح فيما بعد أن هذا الرأي ليس صحيحا في مواضيع أخرى، ذلك لأن التفكير يوجد لدى الإنسان قبل أن يستطيع الكلام، وعليه فنحن لسنا في حاجة إلى القول بأننا نستطيع أن نعبر عن أفكارنا بالإشارات أو ما يماثلها دون حاجة إلى اللغة.

هذا بالإضافة إلى ما دل عليه الاستبطان التجريبي من أننا نفكر أحيانا بالصورة الذهنية، ومن أن التفكير قد يتم دون أن يقترن بكلام صامت، بل أنه قد يتهرب أحيانا من هذا الكلام ويتجنبه ... ولو كانت اللغة شرط ضروريا للتفكير لاستطعنا أن نعبر عن أفكارنا جميعا، بل من المشاهد المعروفة أن اللغة قد لا تتماشى مع التفكير في كلامنا العام والعادي، إذ قد يفكر الإنسان في شيء وينطق بأخر وقد يستطيع أيضا أن يعيد قصيدة حفظها عن ظهر قلب وهو يفكر في موضوع أخر يختلف عنها كل الاختلاف، وقد يكون التفكير سريعا متلاحقا بحيث لا تسعفه اللغة، فيريد الفرد التعبير عن معنى لكنه يعجز عن إيجاد الكلمات اللازمة للتعبير عنه، أو يقف الاسم الذي يريد استرجاعه على طرف لسانه دون أن ينسجم في اللفظ، والمشاهد أننا كثيرا ما نفهم قبل أن نصوغ الجواب، أو نتردد بين عدة صيغ لفظية ممكنة ترفض بعضها ثم ينتهي الأمر بأن نختار واحدة منها، وفي هذا كله ما يدل على أن التفكير أسرع من أن تلحق به اللغة و أغزر من أن تعبر عنه.

واللغة كثيرا ما تحجب الفكر الواضح وتموه عليه، فهناك الألفاظ المبهمة والملتبسة والملتوية، وهناك الألفاظ الجوفاء وتلك التي تقول شيئا وتعني شيئا آخر، وهناك الألفاظ التي تثير العاطفة والأفعال والانحياز فتسد الطريق دون التعقل والتفكير السليم، ففي الإشهار كثيرا ما يهتم المتكلم بوقع اللفظ لا بوقع أفكاره، وقد يكون الرأي وجيزا أو مشروعا لكن طريقة التعبير عنه تجعله يبدو غير وجيه أو غير مشروع، أو يكون الرأي حرجا أو غير مشروع لكن طريقة التعبير عنه تجعله يستحق المناقشة... ومنه يتضح أن مجرد الكلام قد لا يكون تفكيرا، بل لغوا لا معنى له، حيث أن التفكير يقتصر على الكلام ذي معنى.

المعاني واللغة: المعاني هي حصيلة خبراتنا بالأشياء التي نتعامل معها، لدى فهي تختلف باختلاف السن والثقافة والذكاء ومدى الاتصال بالناس والأشياء، وقد يكون هذا الاختلاف كبيرا مما يؤدي إلى سوء التفاهم بين الناس في أحاديثهم ومناقشاتهم ومعاملاتهم، ويبقى دائما المعنى المنطقي هو الذي يحدد العلم، وهو معنى موضوعي محدد، حيث أنه من الوظائف الأساسية لكل علم تحديد المعاني التي يتناولها حتى يتفق الجميع عليها، فالفيزيقا تحدد معنى الحرارة والضوء والطاقة، وعلم النفس يحدد معاني الذكاء والشخصية والانفعال ...الخ.

اكتساب المعاني: تسمى عملية اكتساب المعاني عملية الإدراك الكلي أو عملية الإدراك العقلي وهي عملية تصور المعاني والأفكار العامة التي ترمز إلى الأشياء، وذلك في مقابل الإدراك الحسي الذي هو تصور المفردات الجزئية الخارجية بتأثير المنبهات الحسية مباشرة، وتتم عملية اكتساب المعاني عن طريق التعميم والتمييز، حيث تبدأ عملية اكتساب المعاني عن طريق التعميم والتمييز، حيث تبدأ عملية اكتساب المعاني منذ الطفولة الأولى وتقوم على الإدراك الحسي وملاحظة الطفل ما يحيط به من أشياء وأشخاص وأحداث.

وتقوم عمليتا التعميم والتمييز بدور هام في هذا الاكتساب وهما عمليتان أساسيتان في تعلم الأطفال لتعميم وتمييز ما يحيط بهم من أشياء... لكنه لكي يصل الطفل إلى هذا المستوى من التعميم والتمييز الدقيق يتعين عليه أن يقوم بعملية التجريد التي تجعله يدرك أن للكلاب، على سبيل المثال، صفات مشتركة مخالفة للقطط والأرانب ...الخ.

والتجريد هو عزل أو انتزاع بعض الصفات المشتركة بين أفراد صنف من الأشياء وتوجيه الانتباه إلى هذه الصفات المنتزعة دون غيرها، فبعدما نقول أن هذا الشخص طويل، فصفة الطول هذه يشترك فيها الشخص مع كثير من غيره من الأشخاص، لكننا نعزل هذه الصفة المشتركة عن جميع الصفات الأخرى التي يتميز بها هذا الشخص ونوجه انتباهنا إليها دون غيرها من الصفات، وتسمى هذه العملية التي يصل بها الفرد إلى فكرة التجريد والتي يصل بها إلى حكم عام من عدة أفراد، التي يطلق بها صفة أو أكثر من الصفات المجردة على جميع الأفراد التي يشترك فيها أو أكثرها... وعلى هذا النحو، أي عن طريق التعميم والتمييز والتجريد يتم اكتساب المعنى الكلي الذي انصب في قالب كلمة مجردة حيث يمكن الاحتفاظ بها واستخدامها في الأوقات المناسبة.
مستويات التفكير: قد أشرنا سابقا إلى أن التفكير عند الأطفال يدور أغلبه في مستوى الإدراك الحسي، أي يدور حول أشياء مفردة، محسوسة ومشخصة، غير أنه فوق هذا المستوى الحسي هناك المستوى التصوري ومستوى التفكير المجرد ونلخصها كما يلي:

المستوى التصوري: في هذا المستوى يستعين التفكير بالصورة الحسية المختلفة، والتفكير التصوري أكثر استخداما وشيوعا عند الأطفال من حيث مقدراه ووضوح الصور، ويظهر دوره في حل المشكلات عندهم في ألعابهم الإلهامية إلى جانب أحلام اليقضة وأحلام النوم. 

أما عند الكبار فقد يكون التفكير بالصور عاملا من العوامل التي تساعدهم على حل بعض المسائل، أو يكون عقبة لتفكيرهم، ذلك لأنهم يستخدمون المعاني والألفاظ والأرقام بدل الصور البصرية، وقد دلت التجارب على أن المعنى الذي نكونه عن الشيء صورة ذهنية لهذا الشيء، كما أنه ليس لصيقا بهذا الشيء، وهو لا يوجد إلا في العقل الذي يتصوره أو يستجيب له، بيد أن معاني الأشياء تغزر وتنضج وتنمو باطراد لا لأن الأشياء تتغير في العالم الخارجي، بل لازدياد خبراتنا بها وإدراكنا ما بها من تفاصيل ومميزات وما بين بعضها من علاقات، والألفاظ تبقى دائما كما هي، لكن المعاني تتغير وتتحور وتتهذب وتتحدد وكذلك الحال بالنسبة للتصور.

مستوى التفكير المجرد: التفكير المجرد هو التفكير الذي يعتمد على معاني الأشياء وما يقابلها من ألفاظ وأرقام لا على ذواتها المادية المجسمة أو صورها الذهنية، هو التفكير الذي يرتفع عن مستوى الجزئيات الحسية الملموسة، لذلك يعرف التفكير المجرد أحيانا بأنه التفكير عن طريق المعاني في مقابل التفكير الذي يعتمد على الجزئيات والأشياء المحسوسة أو التصورية الخاصة.