‏إظهار الرسائل ذات التسميات التأمل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات التأمل. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 أبريل 2012

نبذة تاريخية لتطور علم النفس



بسيخي لوغوس Psykhe Logos  كلمة يونانية تعني في اللغة العربية كلمة Psykhe الروح أو النفس و Logos علم، لذلك فإن ترجمة الكلمة إلى اللغة العربية احتفظت بالإشارة إلى هذا العلم بعلم النفس، لتكون النفس هي مناط دراسته،  وليس الروح التي ليست من اختصاص الإنسان لقوله تعالى: ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) سورة الإسراء الآية 85.

ولقد كان علم النفس قبل الميلاد بزمان طويل فرعا من الفلسفة علما يهتم بدراسة الروح، مصيرها، خلودها وماهيتها، حيث ذهب بعض من فلاسفة الإغريق إلى الاعتقاد بأن الروح مادة كالهواء لكنها بلغت حدا كبير من الرقة والشفوف، حتى إذا جاء أفلاطون (427-347 قبل الميلاد) وقال إن لأفكار الإنسان تأثيرا كبيرا على سلوكه، لكنه كان يرى أن هذه الأفكار لها وجود مستقل عن الإنسان، فهي تقوم في الجسم أثناء الحياة ثم تتركه عند الموت.

ثم خطا علم النفس خطوة كبرى في الاتجاه العلمي حين أشار أرسطو (384-322 قبل الميلاد) إلى أن النفس ما هي إلا مجموع الوظائف الحيوية لدى الكائن البشري، أي وظائف الجسم، وبها يتميز عن الجماد، ومن دونها لا يكون الجسم أكثر من جثة، وعلى ذلك تكون الحالات النفسية نتيجة عمليات جسمية.

وقد ترتب عن هذه النظرية أنه لم يعد من الضروري البحث عن تفاسير للحالات النفسية خارج نطاق الإنسان، كما أنه كان أول باحث حاول أن يفهم بصورة منظمة الطرائق التي يفكر بها الإنسان، وصاغ قوانين في تداعي المعاني، سادت علم النفس أكثر من عشرة قرون لذلك يمكن اعتباره بحق المؤسس الأول لعلم النفس، ثم انتقلت تعاليم أرسطو إلى فلاسفة العرب ومفكري العصور الوسطى من الأوروبيين فظل هؤلاء جميعا يجادلون ويناقشون طبيعة النفس وخلودها ومصير الإنسان حتى أعياهم الأمر، فانقسموا إلى قسمين، اختص القسم الأول وهم رجال الدين بدراسة الظواهر الروحانية، والثاني وهم الفلاسفة وعلماء النفس بدراسة الظواهر العقلية، فكانت هذه أول بادرة لانفصال علم النفس عن علم الإلهيات، فبعد أن كان علم الروح أصبح علم العقل، وكانت آنذاك الصلة بين العقل والجسم أكبر القضايا.

وقد حاول الفيلسوف الفرنسي ديكارت (1596-1650) حل هذه القضية ـ قضية العلاقة بين العقل والجسم - فقال أنهما شيئان مختلفان متمايزان كل التمايز وليس بينهما ارتباط طبيعي، فالخاصة الجوهرية للجسم هي الامتداد، أي أنها تشغل حيزا من الفراغ، في حين تكون خاصة العقل عند الإنسان هي التفكير والشعور، أما الصلة بينهما فهي صلة تفاعل ميكانيكي يحدث في الغدة الصنوبرية في المخ لقد كان ديكارت يرى أن الكائن الحي من إنسان وحيوان ما هو إلا آلة معقدة ينشطها الضوء والصوت وغيرهما من المنبهات التي يحمل آثرها مائع رقيق سماه أرواح الحيوانات إلى الغدة الصنوبرية ومنها إلى العضلات في صورة دوافع تؤدي إلى حركة الجسم، هذا كل ما يحدث في الحيوان، أي أن الحيوان لا يحس ولا يشعر، بل يستجيب للمنبهات الخارجية كما تستجيب مضارب الآلة الكاتبة للمس الأصابع أما عند الإنسان، فأرواح الحيوانات حين تلج الغدة الصنوبرية فإنها تثير فيه مشاعرا وانفعالات وأفكار وصورا ذهنية، أي أن الإنسان بخلاف الحيوان له عقل، وهذا العقل هو الذي يوجهه ويجعله يتصرف تصرفا معقولا، والشعور أهم خاصية للعقل، الشعور بالمعنى الواسع الذي يجمع كل الحالات الشعورية من تفكير وتذكر وتصور وانفعالات ورغبات ...الخ.

ومن ثمة أخذ الباحثون يهتمون بدراسة الشعور وأصبح علم النفس علم الشعور، يدرس الحالات والخبرات الشعورية كالتفكير والتذكر والانفعال، يصفها ويحللها إلى إحساسات وأفكار وصور ذهنية ومشاعر ... كالكيميائي الذي يحلل المواد إلى عناصرها... وكان المنهج المتبع في البحث هو الملاحظة الداخلية أو التأمل الباطن الذي يتلخص في ملاحظة الفرد لما يجري في شعوره من خبرات حسية أو فكرية أو وجدانية مختلفة قصد وصف هذه الخبرات وتحليلها أو تأويلها أحيانا، كأن يلاحظ ما يجري في شعوره أثناء عملية التفكير أو أثناء انفعال الحزن أو الغضب.

وفي الوقت الذي كان فيه ديكارت ينشر مذهبه، ظهرت في إنجلترا مدرسة تسمى الترابطية، أسسها جون لوك (1632-1754) ومن أنصارها البارزين هارتلي، ستيوارت ميل وهربرت سبنسر، وقد كان لهذه المدرسة الأثر الكبير في توجيه الدراسات النفسية حتى نهاية القرن الماضي.
    
ومن المسلمات الرئيسية والأساسية لهذه المدرسة، أن الكائن البشري يولد وعقله صفحة بيضاء تنقش عليها الخبرات الحسية ما تريد، فليس قبل الخبرة في العقل شيئا، هذه الخبرة تأتي عن طريق الحواس، فالإحساسات حسب الترابطية هي عناصر العقل ووحداته وذراته،  غير أن هذه الإحساسات تكون في بادئ الأمر غير مترابطة وغير منتظمة، ثم تترابط هذه العناصر وتنتظم لما بينها من تشابه أو تضاد أو تجاور في المكان أو في الزمان، فتنشأ منها العمليات العقلية جميعها: كالإدراك والتصور والتخيل والتفكير والابتكار ... والترابط في نظر هذه المدرسة هو عملية آلية ميكانيكية تشبه الجاذبية في العالم المادي أو تشبه التآلف بين الذرات بعضها ببعض، وبين العناصر بعضها ببعض، والذي تتكون منه المواد المركبة في عالم الكيمياء، ومنه كانت مهمة علم النفس في نظرها تكمن في تحليل المركبات العقلية والشعورية إلى عناصرها من أحساسات وصور ذهنية ومعان، ثم تفسير تجمعها وانتظامها في وحدات مركبة ... كل ذلك عن طريق التأمل الباطن.

لقد ظل علم النفس فرعا من الفلسفة العقلية التأملية لوقت طويل وبالرغم من أن موضوعه تحدد بعض الشيء، لكن طريقته في البحث بقيت تعتمد إلى حد كبير على منهج الفلسفة في البحث، أي علم النظر والتأمل والبرهان الجدلي في قضايا نفسية خالصة كتحليل المركبات العقلية إلى عناصرها، وكذلك في قضايا ذات طابع فلسفي صريح مثل ما الطبيعة القصوى للعقل؟ ، هل العالم الخارجي عالم واقعي أم من خلق الخيال؟ ، هل للإنسان إرادة حرة؟ ... وقد كان الخلاف حول هذه القضايا كبيرا بين الباحثين، لأن النظر والتأمل دون سند من الطرائق العلمية للملاحظة والتجريب يؤدي حتما إلى خلاف.

ولما ظهر داروين (1809-1882) بنظريته التطورية، حيث كان لنظريته هذه أثرا عميقا في علم النفس، إذ قضت على الرأي الشائع بانفصال الحيوان عن الإنسان انفصالا جوهريا، وأكدت من جهة أخرى أثر الوراثة في الوصل بين الماضي البعيد للخليقة وبين حاضرها، كما أكدت أثر البيئة في تطور الكائنات الحية وبقاء الأنسب في معركة الحياة ...

ويقول عزت راجح من جهته: ( لما ظهرت نظرية داروين أثارت موضوعات ومشكلات جديدة لم يعهدها علم النفس من قبل، إذ أصبح بعدها علماء النفس يهتمون بدراسة سلوك الحيوانات المختلفة وغرائزها وذكاءها وعملية التعلم لديها ... كما زاد أيضا اهتمامهم بدراسة مراحل النمو النفسي في الفرد وفي النوع، هذا إلى جانب اهتمامهم بدراسة الفروق الفردية بين السلالات المختلفة ... ولا يخفى أن هذه الدراسات المختلفة على الحيوان والطفل لا يجدي التأمل الباطن في تناولها ... ومن ثم قل الاهتمام بدراسة الشعور وزاد الاهتمام بدراسة السلوك).

وكان علماء الفزيولوجية في مطلع القرن التاسع عشر يجرون أبحاثهم على نمط مغاير، حيث كانوا يطرحون على الطبيعة أسئلة معينة، ثم يقومون بالملاحظات والتجارب للحصول على أجوبة لهذه الأسئلة، وقد أدى بهم هذا المنهج التجريبي إلى الكشف عن كثير من الحقائق والمبادئ كالكشف عن الدورة الدموية وعن مناطق المخ التي تهيمن على الحركة عند الإنسان والحيوان، وكذا عن سرعة التيار العصبي ... وقد كان لهذا المنهج ميزة بالغة عن منهج النظر والتأمل الباطن، إذ كان يستطيع كل متشكك في نتائج الملاحظات والتجارب أن يعيدها ويكررها بنفسه للتحقق من صحتها أو بطلانها كما كان هذا المنهج متبعا في علم الفزيقيا، مما جعل بعض الباحثين في علم النفس يصطنعونه في دراسة الظواهر النفسية.

ففي عام 1879 أسس فونت أول مخبر لعلم النفس التجريبي بجامعة ليبزيغ بألمانيا، وهو معمل مزود بأجهزة وأدوات خاصة لإجراء تجارب على الحواس المختلفة من سمع وبصر ولمس وأخرى على كيفية التذكر والتعلم والتفكير والانتباه وقياس سرعة النبض والتنفس أثناء الانفعال ... وقد دلت الدراسات التجريبية التي أجراها علماء النفس بعد أن أسس العالم الألماني فونت أول مخبر لعلم النفس التجريبي على أن معظم الوظائف النفسية كالتفكير والتعلم والتذكر والنسيان والانفعال، يمكن أن تدرس دراسة موضوعية، أي دون الإشارة إلى الحاجة الشعورية للشخص الذي تجرى عليه التجربة ... ففي دراسة موضوع التذكر مثلا يعطي للفرد نصا يحفظه في ظروف معينة، وهو مستريح أو في حالة انفعال، ثم يسجل المجرب مدى إتقانه للحفظ وسرعته، ثم يعطي بعد ذلك نصا آخر مساويا في الصعوبة للنص الأول، لكن في ظروف أخرى غير الظروف الأولى ... ثم بعد ذلك يلاحظ ما إذا كان الحفظ في الحالة الأولى أحسن أو أقل منه في الحالة الثانية، ومن ثم يمكن الكشف عن الظروف المواتية للحفظ واستخلاص نتيجة عن طبيعة عملية التذكر، وخلال هذه التجربة لا يكون هناك داع على الإطلاق ليستخدم الفرد التأمل الباطن، فمنذ هذا التاريخ، أي تاريخ تأسيس مخبر علم النفس التجريبي، حق لعلم النفس أن يتخذ مكانا إلى جانب العلوم الطبيعية التجريبية، وأن يصبح علما مستقلا عن الفلسفة من حيث منهجه في البحث وسرعان ما أسست معامل (مخابر) أخرى كثيرة بخاصة بعدما أصبح علم النفس علم السلوك.

وكانت هذه بادرة ظهور المدرسة السلوكية التي أسسها واطسون الأمريكي في مطلع القرن الماضي، وهي تنظر إلى الإنسان على أنه آلة ميكانيكية معقدة، كما ارتأت أن يقتصر موضوع علم النفس على دراسة السلوك الحركي الصريح للإنسان والحيوان عن طريق الملاحظة الموضوعية البحتة، أي دون الإشارة إلى ما يخبره الفرد من حالات شعورية أثناء ملاحظته أو إجراء التجارب عليه، لذا فهي ترفض اصطناع منهج التأمل الباطن (الاستبطان) رفضا صريحا وحوالي الوقت الذي كان فيه علم النفس يتخلص من التأمل الباطن والابتعاد عن دراسة الشعور والاهتمام بدراسة السلوك دراسة موضوعية، جاء الطبيب سيغموند فريد (1856-1939) وأثبت بأدلة قاطعة وجود حياة نفسية لا شعورية إلى جانب الحياة الشعورية بل ليست الحياة الشعورية إلا جزءا يسيرا من الحياة النفسية بأسرها، ومن ثم اتسع مدلول الحياة النفسية وامتد آفاقها، فانبسط ميدان علم النفس وموضوعه، فبعد أن ظل قرونا يقتصر على دراسة الخبرات الشعورية ويسمى علم الشعور، إذ به أصبح يرى نفسه مضطرا إلى أن يحسب للعوامل اللاشعورية حسابا كبيرا في تفسير الظواهر النفسية السوية والشاذة، وبدت الحاجة ماسة إلى منهج جديد في هذه الحياة اللاشعورية التي لا يمكن دراستها عن طريق التأمل الباطن، بل بطرائق غير مباشرة كملاحظة السلوك الخارجي للفرد وتعبيراته اللفظية.

وهكذا أخذ علماء النفس يعرضون عن تعريف علم النفس بأنه علم الروح أو علم الشعور ويميلون إلى تعريفه بعلم السلوك، يدرسونه دراسة موضوعية كما تدرس الظواهر الطبيعية البيولوجية، أي دراسة تستغني عن التأمل الباطن ودون الإشارة إلى كيفية شعور الشخص بما يحدث له أثناء ملاحظة سلوكه أو إجراء التجارب عليه دراسة تهتم بما يعمله الفرد لا بما يشعر به.

ومن ثم أصبح علم النفس يعرف بعلم السلوك، أي العلم الذي يدرس السلوك دراسة موضوعية ويتخذ منه وسيلة لدراسة الحياة النفسية الشعورية وللاشعورية، ويستدل من السلوك الظاهر للناس على ما يحفزهم من دوافع وما يشعرون به من انفعالات وما يحتضنوه من عواطف ومعتقدات وما يتسمون به من قدرات ومواهب واستعدادات.