الأربعاء، 4 أبريل 2012

الدوافع

                      

يحتل موضوع الدوافع بصفة عامة مركز الصدارة وأهمية كبرى في علم النفس الحديث، ذلك لأن معرفة الإنسان لدوافعه ولدوافع السلوك ضرورية تجعله يدرك دوافع سلوك غيره من الناس الشيء الذي يؤدي به إلى إقامة علاقات إنسانية أفضل بينة وبين أفراد مجتمعه، هذه المعرفة هي لازمة أيضا لكل من يشرف على جماعة من الناس ويوجههم ويجهد في حفزهم على العمل فمثلا المعلم في حاجة دائمة إلى معرفة دوافع سلوك تلاميذه حتى يتسنى له إدراك قدراتهم وذكائهم وتعليمهم التعليم المثمر.

كما لا تقتصر أهمية دراسة الدوافع على هذه النواحي فحسب فموضوع الدوافع يتصل أيضا بجميع موضوعات علم النفس فهو وثيق الصلة بعمليات الإدراك التذكر والتخيل والتفكير والتعلم ويحتل مكانة لا غنى عنها في الصناعة الحديثة، ذلك قصد رفع مستوى الكفاءة الإنتاجية لدى العمال حيث أن الإنتاج الحسن يتأتى عن الدوافع القوية للعمل.

تعريف الدافع: الدافع حالة أو قوة داخلية، جسمية أو نفسية، تثير السلوك في ظروف معينة، وتواصله حتى ينتهي إلى غاية معينة وهو قوة باطنية لا نلاحظها مباشرة بل نستنتجها من الاتجاه العام للسلوك الصادر عنها، فإن كان السلوك متجها نحو الطعام استنتجنا دافع الجوع وإن كان متجها نحو الشرب استنتجنا دافع العطش، أما إذا كان متجها نجو الاجتماع بالناس استنتجنا الدافع الاجتماعي.
والدافع اصطلاح عام شامل لذا نجد كلمات وألفاظ كثيرة تحمل معنى الدافع ومنها: الحافز، الباعث، الرغبة، الميل، الحاجة، النزعة، الغرض، القصد، النية، الغاية... بيد أن هذه الكلمات في حد ذاتها تتميز عن بعضها البعض فالباعث مثلا موقف خارجي مادي أو اجتماعي يستجيب له الدافع، والطعام باعث يستجيب له دافع الجوع فالدافع قوة داخل الفرد والباعث قوة خارجية.

ويكون الحافز الوجه المحرك للدافع وهو حالة من التوتر والضيق تنشط الكائن البشري لكنها لا توجه السلوك توجيها مناسبا إن الحافز هو مجرد دفعة من الداخل في حين أن الدافع دفعة في اتجاه معين.

أما الرغبة فهي دافع يشعر الفرد بغايته وبهدفه أي يتصور أن هذه الرغبة ترضي حاجة لديه كالرغبة إلى قراءة كتاب معين أو مكالمة إنسان معين، وتتميز الرغبة باحتواء صبغة الشوق والولع.

والأصل في الحاجة أنها حالة من النقص والعوز والافتقار واختلال التوازن تقترن بنوع من التوتر والضيق ولا تلبث أن تزول هذه الحاجة متى قضيت.

ومجمل القول إن الدافع قد يكون حالة جسمية كالجوع أو حالة نفسية كالرغبة في التفوق، وهو حالة مؤقتة كالجوع أو حالة نفسية كالرغبة في التفوق، وهو حالة مؤقتة كالجوع والغضب أو الاستعداد والدائم الثابت نسبيا كاحترام الصديق أو الميل إلى جمع الطوابع، وقد يكون فطريا موروثا كالجوع والعطش أو مكتسبا كالشعور بالواجب أو النفور من طعام معين، كما قد يكون شعوريا حيث يشعر الفرد بهدفه وقد يكون لا شعوريا أي لا يشعر الفرد بهدفه كالدافع الذي يحمل الفرد على نسيان موعد هام.

الدوافع الفطرية: الدوافع الفطرية هي ما كانت تأثيراتها بيولوجية جسمية وهدفها فطري أو هي ما ينتقل عبر الوراثة فلا يحتاج الفرد إلى تعلمها واكتسابها، وعادة ما يطلق عليها اسم الدوافع البيولوجية، ذلك لأنها تعبر عن حالات فيزيولوجية ناتجة عن وجود حاجات جسمية تحدث تغيرا في التوازن العضوي والكيميائي، فتنشأ عن ذلك حالة من التوتر وتدفع الكائن الحي إلى النشاط الذي يؤدي على إشباع وإرضاء الحاجة البيولوجية الفزيولوجية وإعادة الجسم إلى حالته السابقة من التوازن، ومن علامات هذه الدوافع نذكر ما يلي:

-         ظهورها منذ الولادة، أي قبل أن يستفيد الفرد من الخبرة والتعلم.
-         هي عامة مشتركة بين أفراد النوع الواحد جميعا مهما اختلفت بيئاتهم وحضارتهم، كدافع الأمومة، الجوع، العطش والدافع الجنسي.
-         ثبات هدفها الطبيعي على الرغم من تغيرات السلوك الذي يحقق هذا الهدف.

والدوافع الفطرية هي كل ما يدفع الفرد إلى التماس أهداف طبيعية موروثة، مغروسة في جهازه العصبي، لذلك تسمى الدوافع الفطرية أحيانا بالغرائز، وقد يكون السلوك الصادر عن الغرائز فطريا جامدا موحد في صورة كما هي الحال عند أغلب الحيوانات: بناء العش عند الطيور وادخار الطعام عند النمل ...

وتصنف هذه الدوافع الفطرية عادة على ما يلي:

-         دوافع تكفل المحافظة على بقاء الفرد، وتسمى الحاجات العضوية، الفزيولوجية، كالجوع، والعطش، والنوم.
-         دوافع تكفل المحافظة على بقاء النوع، كالدافع الجنسي ودافع الأمومة.
-         دوافع الطوارئ وهي دوافع وثيقة الصلة بالمحافظة على بقاء الفرد والنوع البشري، كدافع الهرب ودافع المقاتلة.

وتعتبر دراسة ومعرفة هذه الدوافع الفطرية بخاصة الحاجات العضوية من أكثر موضوعات علم النفس أهمية، ذلك ليس فقط لأنها عامة بين جميع أفراد النوع البشري والنوع الحيواني، بل أيضا لأنه تؤدي وظيفة بيولوجية هامة تكمن في بقاء الكائن الحي واستمرار نوعه.

والجدير بالذكر هو أن من مبادئ المعرفة في علم الفزيولوجية أن كل كائن حي ينزع إلى الاحتفاظ بتوازنه من تلقاء نفسه، فإذا حدث ما يخل توازنه الداخلي قام الكائن الحي بالأفعال اللازمة لاستعادة توازنه، فإن لم يفلح وفشل في استرجاع التوازن مرض وهلك.

ويشترك الإنسان مع الحيوان في عدة حاجات عضوية يتوقف بقاؤه وبقاء النوع على إرضائها ومن هذه الحاجات: الحاجة إلى الطعام والحاجة إلى الماء والحاجة إلى التنفس وإلى الإخراج أي التبرز والتبول، وهي حاجات يزداد إلحاحها إن لم تقض في الوقت الملائم والمناسب.

وسنحاول فيما يلي تناول بعض هذه الدوافع الفطرية أو الحاجات العضوية الفزيولوجية التي تتحكم فيها العوامل الكيميائية بقد كبير، مثل الحاجة إلى الماء أو إلى الطعام ... وغالب ما يترتب عن هذه الدوافع الأولية حسب علماء النفس كما يلي:

-         دافع الأمومة.
-         دافع الجوع.
-         دافع العطش.
-         الدافع الجنسي.

دافع الأمومة: لقد اهتم علماء علم النفس بدراسة هذه الدوافع عند الحيوانات الثدييات، ذلك لما تبديه الأمهات في المجتمع الحيواني من اهتمام خاص بنسلهن (صغارهن) حيث لوحظ انطلاقا من الدراسات التي أجريت على الفئران البيضاء أن الفأرة حينما تلد تبدي اهتماما كبيرا لصغارها ترعاهم وتغذيهم كما تحافظ عليهم في عش تبنيه لهم.

وقد دلت التجارب المخبرية على أن هرمون البرولاكتين الذي يفرزه الفص الأمامي للغدة النخامية هو الذي يثير هذا الدافع حيث حقنت في تجارب أخرى فأرة عذراء بهذا الهرمون، فأبدت هذه الفأرة نشاطا واضحا واهتماما بالغا بالعناية بصغار الفئران كما حقن فأر ذكر بنفس الهرمون فكانت النتيجة هي نفسها بناء العش ورعاية الصغار، كما ظهر أيضا في المجتمع الإنساني أن حماية الأم لطفلها واحتضانه وإرضاعه يتوقف على إفراز هرمون البرولاكتين، فهو الذي يجعلها في حالة عضوية خاصة ويؤثر في مشاعرها وعواطفها وسلوكها.

والجدير بالذكر هو أنه على الرغم من وجود تشابه بين الأمهات من المجتمع الحيواني والأمهات من المجتمع الإنساني فيما يخص التغيرات الجسدية التي تحدث عند الحمل والولادة والرضاعة وفي إفراز هرمون البرولاكتين لإثارة دافع الأمومة، فإن علماء النفس لا يرجعون سلوك الأم (دافع الأمومة) إلى العامل الفزيولوجي وحده بل إلى العوامل الحضارية والتعليمية وإلى التقاليد والعادات الاجتماعية، ويرون أن موقف الأم الإنساني واستمرارها في إغداق العطف والرعاية على أطفالها حتى بعد أن تنتهي مدة الحضانة لا يخضع خضوعا مباشرا لإفراز الغدة النخامية كما هي الحال عند الحيوان، بل أنه يتضمن فوق هذا العامل العضوي عوامل نفسية اجتماعية.

دافع الجوع:  سبق أن أشرنا إلى أن الإنسان والحيوان تكمن فيهما حاجات عضوية ومن هذه الحاجات الحاجة إلى الطعام والحاجة إلى الشرب، ويعتبر دافع الجوع من الدوافع الفزيولوجية الأكثر أهمية في الدراسة النفسية، ذلك لما له من خصائص عامة تساعد على فهم وإدراك الدوافع الفزيولوجية الأخرى، وقد استطاع الباحثون انطلاقا من دراستهم العديدة التي أجريت في هذا الميدان تقديم معلومات هامة عن هذه الخصائص وعن العوامل المسببة لهذا الدافع.

فقد بنيت الدراسات الأولى التي أجريت في الولايات المتحدة أن نقص المواد الغذائية في الدم هو العامل الأساسي الذي يحدث دافع الجوع، حيث اتضحت حالة التوتر وتقلصات في جدران المعدة وزيادة نشاط البدن وشعور الفرد برغبة جامحة في الأكل وهذا ما يفسر ظهور دافع الجوع.

كما دلت التجارب الأخرى التي أجريت لمعرفة مدى علاقة تقلص جدران المعدة بدافع الجوع، وتوصلت هذه التجارب إلى أن تقلص جدران المعدة ليس هو العامل الأساسي الأول الذي يسبب الإحساس بالجوع، بل أرجعته على حالة الدم الكيميائية، أي قلة المواد الغذائية في الدم، حيث وجد أيضا أنه بعد حقن كلب غير جائع بدم كلب جائع، تبين أن الكلب غير الجائع أظهر إحساسا بالجوع وتقلصا في جدران المعدة، وعليه أكدت هذه التجارب على أن نقص المواد الغذائية في الجسم يسبب حالة كيميائية خاصة في الدم، فتنبعث بعض الهرمونات التي تسبب تقلصا في جدران المعدة والشعور بالجوع، وبعبارة أخرى نقول أن لدافع الجوع شروط ومثيرات فيزيولوجية تقوم على نقص في درجة تركيز السكر في الدم تعقبه تقلصات في العضلات الملساء للمعدة، أما عن عدد المرات التي يشعر فيها الفرد بالجوع فقد لا تثيرها الحركات الإيقاعية لجدران المعدة أو حاجة الجسم إلى المواد الغذائية بقدر ما تثيرها عادات الجماعة والمجتمع، فمن الشعوب ما يشعر أفراده بالجوع مرتين كل يوم ومنها من يشعر به أربع مرات في اليوم...




دافع العطش: يظهر هذا الدافع نتيجة نقص كمية معتبرة من الماء في أنسجة البدن مما يسبب جفافا في الفم والحلق وهذا الشيء هو الذي يؤدي إلى الشعور بالعطش وإلى الرغبة في الشرب، وهذا الشعور بالعطش الناتج عن جفاف الفم والحلق هو عبارة عن إنذار يتلقاه الإنسان من جراء نقص في كمية الماء بالجسم فيدفعه ذلك إلى شرب الماء لإرضاء وإشباع هذا الدافع.

وهناك من يشير إلى أن الإنسان يمكنه التخفيف من الشعور بالعطش إذا قام ببل فيه بالماء، لكن دافع العطش في هذه الحالة لا يزول إلا بانتشار كمية لازمة من الماء في البدن، وقد أجريت تجربة وضعت فيها كمية من الماء مباشرة في معدة كلب عن طريق أنبوب متصل بها دون مرور الماء بالفم لتفادي تأثير الماء في جفاف الفم والحلق، ثم عقب ذلك قدم للكلب ماء فشرب منه مقدارا كافيا، وهذا ما دل على أن جفاف الفم كان من المؤشرات الأساسية في شعور الكلب بالعطش، ولما أعيدت هذه التجربة مع عدم تقديم الماء للكلب إلا بعد عشر دقائق من وضع الماء في معدته، وهي مدة كانت كافية لوصول الماء إلى أنسجة بدنه، فلوحظ أن الكلب لم يشرب شيئا من الماء المقدم إليه، وهذا ما دل من جهة أخرى على أن دافع العطش قد أشبع عن طريق وصول الماء إلى أنسجة بدن الكلب، وعليه انتهت التجارب التي أجريت لدراسة دافع العطش إلى وجود جهاز بالبدن خاص وحساس لحاجة الماء كما يقوم بتنظيم وتعديل الدافع والإحساس بالعطش، وقد يتأثر دافع العطش أيضا بالعادات والعوامل الاجتماعية المختلفة، فتنشأ عن ذلك ميول خاصة لشرب أنواع معينة من السوائل والمشروبات المختلفة...

الدافع الجنسي: هو من الدوافع الفزيولوجية القوية لدى الإنسان وأكبرها أثرا في سلوكه وصحته النفسية، ولقد اهتم فرويد بدراسة مفهوم الغريزة الجنسية وتطورها من الناحية النفسية وصلة ذلك بشخصية الفرد، ولم يقتصر فرويد مفهوم الغريزة الجنسية على وظيفة التناسل والتكاثر أو على أعضاء التناسل، بل لم يكن يقصد بالجنسية قدرة الطفل على الإنجاب والتناسل، بل على مجموعة الميول الجنسية وأشكال السلوك الجنسي الذي يوجد لدى الطفل منذ ولادته، والذي بصورة يمكن ملاحظتها عنده ابتدءا من الثالثة أو الرابعة من عمره، وإن كبت هذه الغريزة في عهد الطفولة قد يكون من العوامل المهددة للأمراض النفسية، وهنا يجب الفصل بين الغريزة الجنسية التي تظهر في سن مبكرة، والدافع الجنسي الذي يدرج في زمرة الحاجة العضوية كالجوع والعطش والذي وظيفته بيولوجية تعمل على بقاء النوع.

ولقد بدأ الباحثون دراسة الدافع الجنسي في صورته البسيطة عند الحيوان، واتضح لهم أن نشاطه لدى الحيوان يتوقف على هرمونات تفرزها الغدد الجنسية عند الذكور والمبيضات عند الإناث، ففي تجربة استؤصل فيها المبيضان عند أنثى الفأرة، فلوحظ زوال نشاطها الجنسي، وحينما حقنت الفأرة بهرمونات المبيض عاد إليها نشاطها الجنسي مرة أخرى، وكأننا نقول إن إزالة المبيض عند إناث الحيوانات يزيل الاهتمام الجنسي لديها، لكن هذا الاهتمام يمكن أن يعود متى حقنت الأنثى بخلاصة الهرمونات الجنسية، كذلك الحال عند الإنسان فقد وجد أن إزالة المبيضين لدى الفتيات قبيل البلوغ يحول دون ظهور الصفات الجنسية الثانوية، كما يؤدي إلى تخاذل الدافع الجنسي، وكذلك الحال عند الصبيان الذين يخصون خصاءا مبكرا.

هذا ويرتبط الدافع الجنسي عند الإنسان ارتباطا مباشرا بالتكوين الكيميائي الحيوي للدم، أي يرتبط المصدر العضوي للدافع الجنسي بمادة كيميائية خاصة في الدم تسمى الهرمونات، ويقوم بإفرازها نوع خاص من الغدد الصماء.

و الهرمونات على نوعين، الهرمونات الأنثوية وتقوم بإفرازها الغدد التناسلية الأنثوية وتوجد بالمبيضين، و الهرمونات الذكرية وتقوم بإفرازها الغدد التناسلية الذكرية وتوجد بالخصيتين.

وقد دلت بعض الدراسات الأخرى على أن لهرمونات الغدة النخامية في قاعدة الدماغ تأثيرا هام في ظهور الدافع الجنسي، حيث تبين أن الهرمونات النخامية تعمل على تنبيه الغدد الجنسية وتدفعها إلى إفراز الهرمونات الجنسية، واستنادا إلى ما سبق ذكره فإنه يتضح لنا أن ما يثير الدافع الجنسي أو إخماده يرجع إلى عمل الغدد الجنسية، غير أن هذا العمل، أي مسؤولية الهرمونات الجنسية في إثارة الدافع الجنسي أو توقفه، يتأثر تأثيرا كبيرا بالعادات وبالعوامل النفسية الاجتماعية وكذا بالتربية الجنسية غير الرشيدة في عهد الطفولة مما يؤدي إلى تلاشي الاهتمام الجنسي أو إلى العجز الجنسي عند الرجال والنساء على الرغم من سلامتهم من الناحية الفزيولوجية، وبعبارة أخرى نقول إن للتعلم وللخبرات التي يمر بها الإنسان وما يكتسبه من عادات واتجاهات نفسية منذ وأثناء تنشئته الاجتماعية أثرا كبيرا وعميقا في نموه ونشاطه الجنسي، فقد تكون مثلا بعض المخاوف التي خبرها الطفل والتي لها علاقة أو مرتبطة بالدافع الجنسي من العوامل التي تضعف وتعطل النشاط الجنسي وهذا ما ذهبت إليه مدرسة التحليل النفسي لفرويد.

                               
الدوافع المكتسبة: كنا قد تناولنا في النقطة السابقة الدوافع الفطرية وأشرنا إلى أن الدافع الفطري هو ما ينتقل للإنسان عن الوراثة فلا يحتاج إلى تعلمه، أما الدافع المكتسب فهو كل ما يتعلمه الفرد عن طريق الخبرة والممارسة والتدريب، فجمع طوابع البريد دافع مكتسب، أي سلوك مكتسب أكتسبه الفرد نتيجة لخبراته اليومية وتعلمه المقصود وغير المقصود أثناء تفاعله مع بيئته الاجتماعية، وعادة ما يصنف علماء النفس هذه الدوافع المكتسبة إلى ما يلي:

دوافع اجتماعية عامة: وتمثل كل ما يكتسبه الإنسان عن طريق خبراته اليومية وتفاعله الاجتماعي مهما اختلفت الحضارة التي ينتمي إليها، ويبدو واضحا هذا الدافع في ميل الإنسان إلى العيش في جماعات، وإلى الاجتماع ببني جنسه والاشتراك معهم في أوج نشاطهم الاجتماعي.

هذا الإنسان لا يلبث أن يتعلم أثناء تنشئته الاجتماعية كثيرا من الدوافع والرغبات التي تكون تحت تأثير العوامل الاجتماعية التي تتعلق بالسلوك الاجتماعي للفرد، ففي المجتمعات التي تكثر فيها المنافسة، والتي يشبع فيها الكبار الصغار إثبات ذواتهم والسعي للسيطرة على غيرهم، يصبح عندها مثلا دافع السيطرة من أقوى الدوافع الاجتماعية لدى أفرادها.

ومن هنا تجدر الإشارة إلى أن هناك دوافع تنميها بعض الحضارات وتعمل على تدعيمها، في حين لا يشجع ظهورها حضارات أخرى مثل دافع السيطرة ودافع التملك، الأمر الذي يجعل إدراجها في صنف الدوافع الاجتماعية الحضارية حيث أثبتت البحوث الأنثروبولوجية التي اهتمت بدراسة النظم الاجتماعية أن هذه الدوافع لا وجود لها في كثير من الشعوب والقبائل البدائية، وعليه نستطيع القول إن هذه الدوافع الاجتماعية ليست فطرية مشتركة بين جميع الناس في كل السلالات والعصور.

ولقد كان يعتقد بعض علماء النفس بخاصة ماك دوجل، أن السيطرة غريزة أو دافعا فطريا، يثيره وجود الفرد مع أفراد أدنى منه، وهو دافع ينزع بالفرد إلى التحكيم والتزعم وإظهار القوة وتوكيد الذات أمام الآخرين، كما ذهب آلدر إلى القول: إن السيطرة أقوى غرائز الإنسان.

بيد أن ما نستطيع قوله استنادا إلى البحوث الأنثروبولوجية أن هذه الدوافع هي مكتسبة ويرجع اكتسابها أو عدم اكتسابها إلى الطرائق الخاصة التي يستخدمها مختلف المجتمعات في تنشئة الأطفال بما تتطلبه ظروف كل مجتمع.

دوافع اجتماعية فردية: وتشمل الدوافع التي يتميز بها الأفراد بعضهم عن بعض، فقد يكتسبها بعضهم لخبراته الخاصة ولا يكتسبها البعض الأخر لأنه لا يميل إليها، فهذا يميل إلى الرياضة وذاك إلى الرسم والآخر إلى المسرح، وما هذه الدوافع والميول إلا اتجاهات نفسية تعبر عن استعداد وجداني عاطفي مكتسب ثابت نسبيا، يحدد شعور الفرد وسلوكه نحو أشياء معينة، فقد يميل الشخص إلى وظيفة معينة إن كان يرغب فيها إرضاء لبعض دوافعه الأساسية أو يميل إلى لعبة معينة لأنها ترضي في نفسه حاجات أو دوافع التقدير الاجتماعي وتوكيد الذات، كلعبة كرة القدم مثلا.

وتختلف ميول الأفراد باختلاف السن والجنس والبيئة والحضارة التي ينتمون إليها، فللأطفال والشباب والشيوخ ميولهم الخاصة بهم، والألعاب التي يميل إليها البنين تختلف عن الألعاب التي يميل إليها البنات وهكذا ...


هناك 5 تعليقات:

  1. موضوع حلو .. لكن مفيش مصادر طيب :D

    ردحذف
  2. قد نضع المصادر تحت كل مقال على حدى، أما التي لم نذكر مصدرها في نفس الصفحة فهي تعود لأحد هذه المصادر راجع صفحة المصادر http://www.علمالنفس.com/2012/04/blog-post_16.html

    ردحذف
  3. الردود
    1. الرابط لايعمل ارجو ذكر المصدر

      حذف