الأربعاء، 4 أبريل 2012

العادة



تعريف العادة: يعرف علماء النفس العادة على أنها استعداد يكتسب دائم للقيام بنفس الأعمال، والعادة حالة راسخة دائمة لا تتغير بسهولة، وهي فردية مكتسبة، توفر جهدا كبيرا في تكرار الفعل سواء كان ذلك الفعل تكيفا حيويا أو عادة حركية أو نفسية، والعادة على أنواع نذكر منها ما يلي:

العادة الحيوية: ويقصد بها التكيف الحيوي لبعض الظواهر الطبيعية، حيث تتعود العضوية ، الجسد، على البرودة والحرارة كما تتعود على الإقامة في الأماكن المرتفعة، وتتعود العين على الظلام والأذن على الضجيج والأنف على الروائح ...الخ، وهذا ما يفسر تكيفنا مع المؤثرات الخارجية التي ألفناها وتعودنا عليها.

العادة الحركية: وهي ذلك الاستعداد المكتسب لتكرار بعض الحركات والقيام ببعض الأفعال البسيطة التي لا علاقة لها بالإرادة كحركتنا التقليدية أو إشارتنا لأشياء غير معقدة، ومنها ما يكون مركبا كالحركات التي نقوم بها عند ارتداء الملابس، ومنها ما يستلزم التدريب والتمرن كركوب الخيل وقيادة السيارات أو العزف على الآلات الموسيقية، وهي كلها مبنية على آليات وروابط عصبية ثابتة تولدت بالتكرار والتعلم الإرادي، ثم بعد ذلك، أي بعد التعود عليها، أصبحت في غير حاجة إلى جهد أو إلى تفكير للقيام بها.
العادة النفسية: ويقصد بها ذلك الاستعداد المكتسب الذي يترك الإنسان في حالة إحساس أو تفكير للصورة التي أحس أو فكر فيها من قبل، فمن عادات التفكير، الترتيب والتناسق في الأفكار والتأني في الحكم والاستدلال والانتباه والإرادة وضبط النفس، غير أن بعض من علماء النفس ذهبوا إلى تصنيف العادة في تصنيفات أخرى نذكر منها ما يلي:

-         العادة العامة والعادة الخاصة: ينتمي هذا التصنيف إلى إيغر الذي ذهب به القول إلى: إن العادة عامة وخاصة، فالعادة الخاصة هي تلك التي تقتصر على تكرار فعل من الأفعال على نمط واحد كالتعود على عزف قطعة موسيقية معينة، أم العادة العامة فهي التي تشتمل على الأفعال المتباينة من جنس واحد، كتعود الموسيقي على عزف كل قطعة موسيقية جديدة من غير تردد، وهنا تكون عادته عامة لأنها أكسبته قدرة راسخة تنطبق على أفعال نفسية مختلفة فعادة التمثيل عادة عامة لاحتوائها على الكلام والحركة والإشارات التي يستطيع الممثل استخدامها في الأدوار الجديدة، فنطاق العادة العامة أوسع من نطاق العادة الخاصة لأن العادة العامة تشمل الاستعداد الفكري والمهارة الفنية، ويقال إن إتقان لغة من اللغات عادة عامة حيث أن العادة الخاصة تقتصر على استرجاع الأفعال السابقة كما هي دون تغيير بينما العادة العامة تبعث على التجديد.

-         العادة المنفعلة والعادة الفاعلة: يرجع هذا التصنيف إلى مين دوبيران الذي قال: إن العادة قد تكون منفعلة وفاعلة، ذلك لأن العادة بوجه عام قد تمكن الشخص من تحمل مؤثر من المؤثرات، فيتعود مثلا على شم الروائح الملائمة، ويتعود على تأمل الجمال، وهي العادة التي تؤدي إلى تضاءل الإحساس وضعف الشعور، أما العادة الفاعلة فهي تعبر عن ميل الفرد للقيام بأفعال مادية أو معنوية، شبيهة بالأفعال التي قام بها سابقا كعادة المشي والكلام، وهي تقتضي الفعل والإدراك على السواء، أما العادة المنفعلة فتقتضي الانفعال والإحساس.

حقيقة العادة وفوائدها

اختلف الفلاسفة والعلماء منذ زمان بعيد في توضيح حقيقة العادة، فأرسطو كان يرى أن العادة خاصة من خواص الأحياء فالحجر لا يتعلم الصعود وإن ألقيته في الفضاء ألف مرة، كما أن لهب النار لا يتعود الهبوط، فالعادة ملازمة لتلقائية الحياة، بل هي ملازمة للفردية المرنة التي تتغير للتغلب على المؤثرات الخارجية ... وأرجع ليبنتز العادة إلى الإدراكات الصغرى، والمقصود من ذلك أن الإدراك مهما كان فهو يبقى في النفس وينضم إلى الأحوال السابقة فيضخمها وتكون العادة إذن بمثابة الذاكرة.

غير أن رافسون المتأثر بآراء أرسطو وليبنتز، ذهب يقول: إن العادة تقود العقل والحرية إلى الطبيعة وإلى الضرورة، فالنتيجة العامة لاستمرار كل تغير أو تكراره، هي أن الفعل إذا بقي خف تأثيره شيئا فشيئا، وكلما استعاد الكائن الحي حركة صادرة عن طبيعته زاد ميله إلى استرجاعها، كما قال: إن العادة حينما تهبط من نواحي الشعور المنيرة، تحمل النور معها إلى أعماق الطبيعة وليلها الحالك فهي إذن طبيعة مكتسبة، لا بل طبيعة ثانية ترجع في النهاية إلى الطبيعة الأولى.

أما ديكارت فشبه العادة بالظواهر الفيزيائية، حيث قال: إن طي الثوب مثلا لابد من أن يترك أثرا فيه فيصبح طيه من تلك الناحية سهلا.

وللعادة أثر كبير في حياة الإنسان، ذلك لأنها تحافظ وتحفظ الماضي وتهيأ ظروف المستقبل، وعلى هذا الأساس فهي تقدم للفرد فوائد كثيرة، حيث أنها تجعل الفعل السابق فعلا آليا لا يحتاج الفرد إلى استخدام الجهد أو الانتباه الشديد، لأن الأفعال الآلية إذا تمت من تلقاء نفسها تركت عقل الشخص حرا طليقا، ثم ينتبه لما هو أسمى منها، وهي تمكنه من جهة أخرى بالقيام بعملين في وقت واحد بحيث يصبح العمل الأول عادة راسخة ينجزه الفرد بصورة آلية، وفي الوقت نفسه ينتبه على عمل آخر، فالعادة إذن توفر للإنسان جزءا كبيرا من الوقت وتنفيذه دون تردد وتخفف عنه الجهد والتعب، كما تكسبه المهارة والدقة والسرعة في الإنجاز.

نتائج العادة: سبق أن أشرنا إلى أن للعادة أثر كبير في حياة الفرد والمجتمع، ذلك لأنها المادة التي يتألف منها سلوك الشخص  وهي تحفظ مشاعره وأفكاره وأفعاله، كما تنظم حياة المجتمع وتحفظ أوضاعه من التغيرات المفاجئة، وعليه نستطيع حصر نتائج العادة في صنفين كبيرين وهما:

الصنف الأوتوماتي: يعتبر هذا الصنف النتيجة الأولى للعادة ذلك لأنها تعبر عن آلية الفعل، حيث أنه يتضاءل فيها شعور الفرد ويقل إحساسه وانتباهه، وتخف أحواله الانفعالية شيئا فشيئا، وكلما تمكن الفرد من القيام بعمل ما وإتقانه أصبح حاذقا فيه، كلما خف شعوره به، وما اعتياد شم رائحة من الروائح، أو تحمل درجة معينة من الحرارة إلا انقطاع للشعور بالمؤثر، وكذلك الحال بالنسبة للكتابة أو السباحة ... التي تعبر عن صرف الانتباه والجهد الإرادي عن الحركات الجزئية التي يتألف منها الفعل الكلي، وعدم الشعور بها بحيث يستقر الفعل في مركز العصبية السفلى وتتوقف المراكز العصبية العليا عن الاشتغال به، فالعادة إما أن كانت منفعلة أو فاعلة فهي تؤدي على اللاشعور حيث انتهى القول ببعض علماء النفس إلى أنها تخفف من شدة الحساسية وتمنع تدخل الشعور في الأفعال الأوتوماتية، لأن التدخل فيها قد يعرقلها ويخل بنظام آليتها، وهذا ما ينطبق أيضا على الإحساسات الأخرى، كالإحساس باللمس والحرارة ... الخ.

والعادة كثيرا ما تقوي الشعور بالشيء بدلا من أن تنقص منه وجل العادات سواء كانت حركية، نفسية أو حيوية فهي تؤدي إلى نتيجة واحدة، فالعادة الحركية تضعف الانتباه وتقلل الجهد وتخفف الشعور بالتأمل، فالفرد يشعر عند بدايته تعلم الكتابة أو ركوب دراجة بالجهد الذي يبذله في تعلم كل جزء من أجزائها لكنه بعد اكتساب العادة يقوم بالفعل من غير تقديم جهد كبير، فيقل انتباهه وتزداد سرعة الأداء وتقل الأخطاء وينقص التعب وتصبح بذلك حركاته آلية، وهذا السلوك ينطبق أيضا على العادات النفسية، لأن الأعمال العقلية تحتاج في البداية إلى جهد كبير وانتباه شديد، غير أنها تصبح بعد التعود عليها أعمالا آلية، وإذا كانت العادات الحركية تؤدي إلى اللاشعور بها، فإن العادات الحيوية تقلل من شعورنا بالمؤثرات الخارجية وتجعلها قسما من حياتنا، والعادة بصفة عامة، حسب دوبانسل، لا تخلق نزعة طبيعية جديدة، بل تنظم الاستعدادات الموجودة في النفس سابقا، ولولا استعداد الإنسان للقيام بالفعل لما قدم شيئا، وكلما اكتسب عادة جديدة كلما استخدم نزعاته السابقة، فيجمعها بعضا إلى بعض وينظمها ثم يقويها بالتدريب والتمرين.

صنف التكيف: إن تجريد الفعل من الأشياء والشعور يجعل تكيفنا له تاما، فنقوم به من غير تعب وبطريقة ملائمة ثابتة نسبيا، فالعادة الحيوية مثلا تؤدي إلى التكيف، لكن هذا التكييف لا يتم إلا عن طريق جملة من ردود الأفعال الداخلية، ويظهر تكيف العادة الحركية في التكامل التدريجي الذي يتصف به الفعل حتى يصبح أسهل من ذي قبل وتتصل حركاته الجزئية بعضها ببعض اتصالا محكما وتاما، وقال دوبانسل في هذا الصدد: إن اكتساب عادة من العادات الحركية يرجع إلى إيجاد سلسلة من الحركات المرتبطة الحلقات المحكمة النتائج المقيدة بعضها ببعض، ويكفي في هذه الشروط أن تحدث الحركة الأولى بإرادة مجرى الحركات الأخرى من ورائها بصورة آلية، فالعادة إذن متصلة بالإرادة لأن الحركات الإرادية مبنية على حركات آلية مستقلة مسبوقة بتصوير واضح.

وتولد العادة النفسية أيضا النتائج نفسها التي تولدها العادة الحركية والحيوية، لأنها تؤلف آليات فكرية ونظما منطقية شبيهة بالآليات التي سبق الإشارة إليها في نقطة العادة الحركية، ويؤدي ذلك كله إلى سرعة تفهم البراهين ومؤلفاتها وسهولة استعمالها...

وحوصلة القول هو إن العادة استعداد مكتسب دائم لأداء عمل من الأعمال حركيا كان أم عقليا أو خلقيا بطريقة آلية مع السرعة والدقة وقلة الجهد، فهي تسهل على الإنسان أداء أعماله وتوفر له كثيرا من الوقت ... لذا كانت العادة عاملا في تسهيل عملية التكيف على الرغم من أن التكيف يتطلب قدرا من المرونة، ومن ثم فالعادات إن لم تكن على جانب من المرونة عطلت التكيف بدلا من أن تسهله، والواقع أن تغيير العادة أو اقتلاعها ليس بالأمر السهل بخاصة عند سن الرشد ... ومهما يكن من أمر فهناك عادات يمكن تحويرها أو استئصالها إن بذل الفرد في ذلك جهدا قد يطول أو يقصر، عبر أن هناك عادات أخرى لا يستطيع الفرد تحويرها فضلا عن استئصالها مهما كان صادق العزم ومهما بذل من جهد ومهما قدم إليه من نصح أو تحذير.

هناك تعليقان (2):

  1. شكرا على المقال استفدت منه

    ردحذف
    الردود
    1. لا شكر على واجب نسعى إلى إثراء المحتوى المفيد على النت باللغة العربية

      حذف