الاثنين، 16 أبريل 2012

مراحل تطور علم النفس

يميز كل من كمال بكداش ورالف رزق الله بين أربع مراحل في تطور علم النفس تبعا للموضوع الذي اتخذه مادة لدراسته في كل مرحلة، ونعرض فيما يلي هذه المراحل التطورية:


المرحلة الأولى: مرحلة القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر، وهي تعرف بالمرحلة الفلسفية تحدد فيها علم النفس بصفته علما للروح أو النفس، تمحور اهتمام الفلاسفة في هذه المرحلة على دراسة العلاقة التي تربط الحس والروح، إذ كان ينطلق من الثنائية الفلسفية التي تؤكد وجود روح مستقلة عن الجسد، وتعتبر العلاقات التي تقوم بينهما علاقات بين وحدتين متميزتين بعضها عن بعض تميزا تاما، تمثلت هذه الثنائية الفلسفية عند ديكارت بوجه خاص في بداية القرن السابع عشر، كما تمثلت بعد ذلك عند العديد من فلاسفة القرن الثامن عشر.

يدرس علم النفس حسب هؤلاء الفلاسفة في هذه المرحلة معطيات الحياة الذاتية أو الوعي بذاته، لذا كان من البديهي أن تلجأ هذه الدراسة إلى منهج الاستبطان الذي يقوم على تأمل الوعي لذاته، وذلك طالما أن النفس حسب تعبير ديكارت، تستطيع أن تكون معرفة مباشرة بذاتها.

المرحلة الثانية: مرحلة القرن التاسع عشر، وهي تتمثل في محاولة علم النفس في الانفصال عن الفلسفة والتحول إلى علم تجريبي، غير أنه لم يطرأ في هذه المرحلة أي تغير أساسي على تعريف علم النفس، بل حل موضوع الوعي أو الشعور محل الروح، بيد أن هذه المرحلة اتسمت بالاهتمام الكبير لبعض علماء الفيزياء و الفزيولوجية  والطب، ومنهم مثلا فخنر وفييبر اللذين اهتما بقضايا علم النفس ولاسيما بموضوع الإحساس وعلاقته بالمثيرات الفيزيائية كما اتسمت أيضا بتخصيص المقاعد الجامعية لتعليم علم النفس وبإنشاء المختبرات المتخصصة.

سعى هؤلاء العلماء بتأثير منهج العلوم الطبيعية، أي المنهج التجريبي، إلى أن يتحول علم النفس إلى علم تجريبي، أي أنهم سعوا إلى استعمال المنهج التجريبي في دراسة الموضوعات النفسانية وعلى الرغم من ذلك، فكانت أعمالهم التجريبية تنتهي في أغلب الأحيان إلى اعتماد الاستبطان ويعود ذلك بصورة أساسية إلى أن موضوع علم النفس في هذه المرحلة، أي الوعي وما يقابله، كان يفرض من حيث طبيعته بالذات اللجوء إلى هذا المنهج.

لقد نشأت في الواقع بعض المحاولات لتطوير هذا المنهج باتجاه تجريبي، وسمي بالتالي بالاستبطان التجريبي، وفيه يقوم الفرد بحل مشكلة تجريبية معينة ويصف في الوقت ذاته الحالات التي تمر في وعيه، إلا أن جوهر المنهج لم يتغير وبقي مستندا إلى التأمل الباطن الذي يقوم به الوعي للوعي نفسه.

المرحلة الثالثة: مرحلة النصف الأول من القرن العشرين، وفيها تحدد علم النفس بأنه الدراسة العلمية للسلوك، تميزت هذه المرحلة بنوع خاص بنشوء المدرسة السلوكية التي أسسها واطسون.

أكدت هذه المدرسة السلوكية عن استحالة إنشاء علم النفس انشاءا علميا على أساس دراسة معطيات الوعي، واعتبرت السلوك هو فقط الذي يشكل الأساس الموضوعي لقيام علم النفس العلمي، ذلك أن السلوك وحده، وليس الوعي، يمكن أن يخضع للملاحظة الموضوعية.

كان من الطبيعي أن يرفض واطسون وهو الاختصاصي في علم الحيوان، منهج الاستبطان، حيث قال: (هذا المنهج لا قيمة له بالطبع في مجال دراسة السلوك الحيواني، فهل يمكن دراسة معطيات الوعي عند الفأر مثلا؟، وهل يمكن للاستبطان أن يؤكد وجود هذا الوعي أو ينفيه) هذه أسئلة كان يطرحها واطسون، ذلك لأنه كان يرى أن هذا النقد السلوكي لمنهج الاستبطان يصح في مجال علم النفس الإنساني، ذاك أن دراسة الطفل تطرح بعض المشكلات المنهجية الشبيهة بتلك المشكلات التي تطرحها دراسة الحيوان، إذ كيف يمكن الطلب إلى الطفل أن يستبطن نفسه، أي أن يتأمل ذاته بذاته وأن يعبر عن نتائج هذا التأمل؟

واستنادا إلى ذلك، دعت المدرسة السلوكية إلى إعادة النظر في علم النفس كله وإلى ضرورة الاستناد إلى دراسة العناصر الموضوعية التي يمكن ملاحظتها، هذه العناصر التي تتمثل في المثيرات (م) وفي الاستجابة (س) التي تؤدي إليها هذه المثيرات وهو ما يمكن الرمز إليه بالطريقة التالية:
م  ـــــــــــ  كائن حي ــــــــــ س

اعتبر واطسون أن مادة علم النفس تقتصر فقط على دراسة الاستجابات التي تقوم بها الكائنات الحية بتأثير مثيرات معينة، أي أنها تقتصر على دراسة السلوك الذي يتكون من مجموع الاستجابات التي تظهر في وضعية معينة، وتهدف هذه الدراسة حسبه على تحديد العلاقة أو القوانين التي تربط بين المثير والاستجابة.

بيد أن نظرة واطسون للسلوك ذاته نظرة تتناسب مع بعض أنماط السلوك الحيواني ومع الأفعال البسيطة كالأفعال المنعكسة، إلا أنها لا تتلاءم تماما مع الأنماط المعقدة للسلوك الإنساني بوجه خاص، ذلك أن السلوك الإنساني في أنماطه المعقدة لا يمكن أن يختزل إلى بعض الاستجابات التي تنشأ نتيجة بعض المثيرات، فالكائن الإنساني الذي يوجد بين المثير والاستجابة كائن نشط ومدرك وتجري في داخله عمليات فيزيولوجية ونفسية، ولا تتجلى هذه العمليات بالضرورة في الاستجابات الظاهرة.

وانطلاقا من هذه الانتقادات الموجهة إلى واطسون نشأ ضمن المدرسة السلوكية اتجاه جديد يسمى بالسلوكية المحدثة، أسسها تولمان وهول، سعى هذا الاتجاه إلى تضمين مفهوم السلوك بعض العمليات الذهنية مثل الإدراك والتفكير، والعاطفية والانفعالية التي تحدث في الكائن البشري نفسه وتتوسط إذا جاز التعبير بين المثيرات من ناحية والاستجابات من ناحية أخرى، تدعى هذه العمليات التي لا يمكن ملاحظتها بصورة مباشرة بالمتغيرات الوسيطة، هذه المتغيرات لا يمكن التثبت منها بصورة مباشرة، بل يمكن أن نفترض وجودها وأن نستنتجها أو نستدل عليها خلال السلوك الظاهر، إذ يتحدد سلوك الكائنات الحية المعقدة بالعمليات الداخلية ولا يتحدد بالعلاقة الآلية بين المثيرات الخارجية والاستجابات الظاهرة والموجهة نحو الخارج، وبعبارة أخرى يمكن القول: إن السلوك لا يشكل نتيجة بسيطة لمثيرات المحيط، بل يشكل محصلة التفاعل بين الكائن الحي والمحيط.

المرحلة الرابعة: وهي المرحلة المعاصرة التي تحدد فيها علم النفس بأنه العلم الذي يدرس سلوك الكائنات الحية بمعناه الواسع يشتمل السلوك بهذا المعنى مجموع التصرفات الحركية واللفظية بوجه خاص التي يقوم بها الكائن الحي، هذه التصرفات التي يشكل بعضها نشاطات منظمة وموجهة نحو هدف معين، أي نشاطات قصديه أو غرضيه، ويظهر عنصر القصد في السلوك من خلال التنظيم والتوجيه اللذين يميزان العديد من التصرفات المعقدة.

يتم تفسير السلوك بمعناه الموسع حسب كمال بكداش ورالف رزق الله، عن طريق نوعين متفاعلين من المتغيرات أو العوامل : يتعلق النوع الأول من المتغيرات بالكائن الحي الذي نلاحظ تصرفاته ومنها متغيرات السن والجنس والخبرة السابقة والدوافع الراهنة والصراع الذي يمكن أن ينشأ بين هذه الدوافع ... ويتعلق النوع الثاني من المتغيرات بالوضعية التي يوجد فيها الكائن الحي، وتتنوع الوضعيات التي يمكن أن يوجد فيها الكائن الحي تنوعا شديدا: فهناك الوضعية التجريبية في المختبر التي تتميز ببعض المتغيرات، وهناك الوضعية العائلية التي تتسم ببعض الاضطرابات والصراع، وهناك أيضا الوضعية المدرسية والوضعية الاقتصادية ... ويتمثل طموح عالم النفس في أن يدرس عن طريق الملاحظة والتجربة أو اللقاء المباشر مع المفحوص تأثير هذا النوع أم ذاك من المتغيرات أو كليهما معا في السلوك وأن يصل إلى تفسير هذا التأثير.

ويرى مصطفى غالب، أن علم النفس المعاصر يمتاز باهتمامه بدراسة أحوال الإنسان النفسية كاملة شاملة من كافة جوانبها ومنطلقاتها السلوكية والانفعالية أكثر من اهتمامه بالأمور الجزئية العقلية والنفسية، لذا يمكننا أن نسميه حسب مصطفى غالب: علم شمول السلوك الإنساني، التاريخي المنصرم، والواقعي المستقبل ككائن مجرد مطلق يعيش في مجتمع حضاري له تأثيره الفعال في سلوك الفرد وانفعالاته واستجابته.

وينتهي بنا القول إلى أن للمجتمع الحضاري تأثير تاريخي وسلوكي يشكل العاطفة والإحساس والمشاعر لدى الفرد الناهد إلى العيش في بوتقة أخلاقية انفعالية تصبوا إلى تأمين قيم ودلالات تؤهل في الدعوة لبناء علم نفس يغوص في أعماق إنسان هذا العصر المتقدم ليستخرج الأمراض والأوبئة والإصابات التي تحد من نشاطه وتملأ حياته خوفا وقلقا وعدم استقرار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق