الأحد، 5 أبريل 2009

مفاهيم التربية و مصطلحاتها


لقد عرف الإنسان التربية منذ ظهوره على الأرض، و يرجع ذلك أساسا إلى قابلية الإنسان للتغير و التغيير وبقي مفهوم التربية يتطور مرورا بالحضارة اليونانية و وصولا إلى النظريات التربوية في هذا العصر. و سنتناول هذا الموضوع من خلال المحاور الرئيسية الثلاثة الآتية
أولا : مدلول التربية اللغوي
يقول ابن منظور في لسان العرب << يقال رب ولده و الصبي يربه،ربا ، و ربيه تربة أي رباه. وفي الحديث :" لك نعمة تربها أي تحفظها و تراعيها و تربيها، كما يربي الرجل ولده". وفي حديث ابن ذي يزن " أسد تربب في الفيضات أشبالا". أي تربي وهو أبلغ منه ترب. وتربيه و أرتبه ورباه تربية.
الرب يطلق في اللغة على المالك والسيد والمدير و المربي و القيم والمنعم. الرب ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
يكون الرب المالك ويكون الرب السيد المطاع ويكون الرب المصلح، رب الشيء أي أصلحه.<<
واذا رجعنا إلى اللغة الأجنبية فان كلمة التربية كلمة محدثة، إذ يذكر معجم هاتزفيلد HATZFELD ودارمستر DARMESTER و توماس THOMAS فإننا لا نقع عليها قبل عام 1527، ونحن نجدها في مجتمع المعاجم منذ عام 1549. وفي اللغة اللاتينية كانت تستخدم الكلمة للدلالة على تربية النباتات أو الحيوانات و للدلالة أيضا على تهذيب الإنسان دون ما تفريق بين هذه الأحوال جميعها.
ثانيا: مفهوم التربية في المدرسة التقليدية
إن أهم ما يميز التربية في المدرسة التقليدية أنه قائم على مبدأ عدم اكتمال نضج الطفل و بالتالي حاجته إلى من يشرف على تربيته، فالتربية في المدرسة التقليدية تقوم على سلطة المعلم و النظام التربوي بصفة عامة .
لذا فان المدرسة التقليدية قد فصلت في مسألة السلطة و بات من خصائصها أنها قائمة على فلسفة واضحة جنبتها التناقضات و المفارقات التي تتخبط فيها التربية الجديدة. وفي هذا الصدد يقول ريبول REBOUL : " لا يمكن أن نتصور تربية لا تقوم على السلطة، فكل عمل تربوي ينبني أساسا على السلطة التي يمارسها الكهل على الطفل و العالم على الجاهل و المسئول على غير المسئول " .وحسب برنار شارلو B. CHARLOT فان الطفل يجب عليه أن يخضع لأوامر الكهل العاقل البعيد كل البعد عن الحياة الاجتماعية لبقية الكهول.
وتتجلى السلطة في المدرسة التقليدية في المظاهر التالية
1- السلطة العلمية فرض المعلومات
2- السلطة المعيارية فرض القيم.
3- السلطة الفكرية فرض التفكير .
ومن أبرز التعاريف المبينة للتربية التقليدية نذكر تعريف دوركايم E.durkheim الذي يرى بأنها عملية نقل التجارب عن أجيال لم تنضج بعد . ويدافع دوركايم على سلطة المعلم حين يقول : " لا يستمد المعلم سلطته من محيطه بل يستمدها من ذاته ". ويرى بأن الحرية ما هي إلا وليدة السلطة لأن الإنسان الحر ليس ذلك الإنسان الذي يفعل ما يريد، ومن ثم فانه يرى بأنه لا تعارض بين الحرية و السلطة.
وقبل دوركايم نجد أفلاطون يرى بأن التربية تتمثل في : " جعل أسمى قوى النفس ترتقي إلى المستوى الذي يمكنها من النظر إلى أسمى مراتب الواقع " .أو هي تلك العملية التي تهدف إلى إعطاء النفس و الجسم أرقى ما يمكن أن يصلا إليه من الجمال و الكمال .
أما جون شاتو J. CHATEAU فانه يرى بأن ما ينبغي توفيره للطفل هو وسط إنساني لا يشبه الحياة اليومية ،إن الرعاية المبذولة ينبغي أن تختار له من الراشدين أولئك الذين يؤهلون فعلا لرعايته.
ويرى قويهينو GUEHENO بأن علاقة الطفل بالراشدين تحفزه إلى الاستفادة منهم فيقول : "لنضع الأطفال أمام الرجال العظام وأمام الفنانين الأفذاذ، و بذلك نمكنهم من الاستماع إلى أصوات هؤلاء و التعرف على خلجات قلوبهم ، وإذ ذاك تراهم يحاولون بأنفسهم الولوج إلى خبايا ذواتهم " .
ومن أبرز رواد التربية التقليدية نجد آلان ALAIN. 1867-1951 . وقد أخذت التربية عنده أبعادا فلسفية وتأثر في ذلك بالتقاليد المثالية الغربية و خاصة فلسفة ديكارت DESCARTES. ومن أهم مؤلفاته > مقالات حول التربية <. و التربية عنده قائمة على الارتقاء بالطفل إلى عالم الكهل عن طريق المجهود، ويقول في هذا الصدد : " لا قيمة للفرد إلا بها يصل إليه بنفسه عن طريق المنهج الوعر، وكل شخص يرفض المنهج الوعر لا يمكن أن تكون له القيمة البتة." ويقول أيضا : " أني أشعر بالإنسان فخورا عسير المراس، وفي هذا المجال فان الطفل في جوهره أكثر كهولة من، الكهل ... انه يصبو إلى العسير لا إلى المحبوب. "
وتتمثل خصائص التربية عند آلان بصفة عامة فيما يلي
1- التأكيد على المجهود و المنهج الوعر.
2- تمجيد المدرسة على حساب العائلة.
3- التأكيد على العمل و التدريب، فالعمل المهم للتلميذ هو الذي يقوم التلميذ بنفسه.
4- التأكيد على معاشرة الرموز فليس المهم أن يفهم التلميذ ما يحفظ أو يقرأ، بقدر ما يهم استعماله لرموز اللغة .
لذلك نجده يؤكد على الهندسة و الشعر و قراءة أمهات النصوص و التدريب على العلوم ليس بالانطلاق من ملاحظة الطبيعة، بل من كتب العلم المجردة.
ان التأمل في التربية التقليدية يجدها متميزة بخاصيتين هما السلطة و المعرفة، وان أهم ما يؤخذ عليها هو نظرتها السلبية للطفل و عدم فسح المجال أمامه إلا في حدود من المراقبة التي يفرضها المعلم و يتطلبها البرنامج.
ثالثا : مفهوم التربية الجديدة
يعتبر روسو J.J. ROUSSEAU بدون منازع أبرز رواد التربية الجديدة، وذلك لما ورد في كتابه إميل من دعوة صريحة إلى التنفيس عن الطفل وجعله محور العملية التربوية . وان الدارس لكتاب إميل يستطيع أن يستنتج التعريف التالي للتربية : " هي فن الإعداد للحياة دون الخروج عن نطاق الطبيعة و دون إهمال لحاضر الطفل ."
فنلاحظ منذ البداية أن التربية الجديدة قامت ثائرة على نظام تربوي متسلط لا يراعي للطفولة حقوقها، و يعتبر الطفل مجرد راشد صغير.
و توالت بعد روسو تعاريف عدة لا تخرج عن الخطوط العريضة التي رسمها، وتأثر بمنهجه في الجانب العملي مربون بارزون من أمثال مونتي صوري MONTESSORI ، و فروبل FROBEL، و بستالوتزي PESTALOZZI، وفيما يلي نتعرض لبعض التعاريف المبينة لهذا الاتجاه من التربية
يعرفها هربارت HERBART، بأنها موضوع علم يجعل غايته : " تكوين الفرد من أجل ذاته، بأن نوقظ فيه ضروب ميوله المختلفة."
وهي عند وليام جيمس W.JAMES،مادة : " فن يكتسب في الصف عن طريق ضرب من الحدس وعن طريق الملاحظة التعاطفية للوثائق و لمعطيات الواقع."
و يعرفها جون ديوي J. DEWEY، بأنها : " مجموع العمليات التي يستطيع بها مجتمع أو زمرة اجتماعية صغرى أو كبرى أن ينقلا سلطاتهما و أهدافهما المكتسبة بغية تأمين وجودهما الخاص و نموهما المستمر ." و التربية عنده ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها.
ويقول كرشنستينز KERSHENSTEINER مبينا هذا الاتجاه الجديد في التربية :" إن مركز الثقل يجب أن يوضع في الجانب الشخصي الذاتي ( أي في الطفل) وليس في الجانب الموضوعي للثقافة."
و يؤكد المربي السويسري كلاباريد CLAPAREDE-الذي يربط تعريف التربية بتعريف الطفولة - على هذا الاتجاه في قوله : " من الواجب أن تكون الطرق و المناهج هي التي تحوم حول الطفل، لا أن يكون الطفل هو الذي يحوم حول برنامج قد ضبط بمعزل عنه."
أما قال ROGER GAL فانه يستنتج انطلاقا من رأي فالون VALLON في كون النشاط يسبق التفكير عند الطفل و التفكير يأتي بعد النشاط بأنه بإمكاننا تحضير الطفل لمرحلة التجريد و إعطاء معان للكلمات و الأفكار.
و يرى لوقران LOUIS LEGRAND بأن مفتاح كل طريقة جديدة نجده في تجاوب عاطفي مرفوض في الطريقة التقليدية، ومن ثم فانه يرى بأنه لا وجود للتربية بدون فرح. وعكس المعلم في المدرسة التقليدية المشغول بتحقيق الهدف المسطر و بلوغ الطفل إلى أقصى ما يمكن من ثقافة، فان المعلم في المدرسة الجديدة يهتم أساسا بتوفير الظروف المناسبة التي يعبر الطفل من خلالها بصفة عفوية عن مواهبه الكاملة.
و خلاصة القول أن المعلم في التربية الجديدة ما هو إلا محلل لحاجيات المتعلم و إمكانياته و قدراته ليمده بالمعرفة الملائمة لمتطلباته . فالطفل إذن هو محور العملية التربوية، و كل العوامل الموضوعية ينبغي أن تكون في خدمته و لعل هذا ما أراد توضيحه فريار FERRIERE حين قال : " كل ما يأتي من الخارج، كل ما يأتي سابقا لأوانه أو متأخرا أو خارجا عن اهتمامات الفكر النامي للطفل فهو شر. "
نقد التربية الجديدة
على ما جاءت به التربية الجديدة من تغيير هام في النشاط المحوري للتربية، فانه يؤخذ عليها نقائص عدة سجلها فيلو J.CL.FILLOUX علة النحو التالي :
1 – إن التربية الجديدة غير واقعية وصعبة التطبيق ، إذ لو كان الأمر خلاف ذلك كيف نفسر بأن هذه التربية رغم كثرة الثناء إلا أنها بقيت مع ذلك قليلة الاستعمال، فأين هي المنظومة التربوية التي بإمكانها الاستغناء عن المعلم أو التقليل من شأنه في العملية التربوية ؟.
2 – إن الطفل في التربية الجديدة لا يعد لحياة الراشد.
3 – إن الحرية التي يتمتع بها الطفل لا تعني حرية شخصية .
4 – إن المعلومات التي يتلقاها الأطفال بصفة متفرقة غير قائمة على أساس البرنامج .
5 – إن التركيز على شخصية الطفل أثناء تعليمه يعني عزله عن محيطه الاجتماعي، ذلك لأن المحيط الذي يتعلم في وسطه الطفل ليس محيط حقيقي .
6 – إن المعلم الذي يركز على ذاتية الطفل، يخرج تماما عن العلاقة التربوية التي من المفروض إيجادها بين المعلم والتلميذ.
وكبديل للتربية التقليدية القائمة على سلطة المعلم والتربية الجديدة القائمة على مركزية الطفل، فإنه يقترح نظام الأفواج Classe groupe الذي يجمع بين حرية التلميذ وفعالية المعلم .
ولو عدنا إلى التربية الإسلامية ، فإننا نجدها معرفة عند أحد أبرز مفكريها ألا وهو الإمام أبو حامد الغزالي، بأنها عملية الإعداد المتكامل في المجلات المختلفة، وهي إعداد متوازن بين المجالات حسب أهميتها ومدى توصيلها للهدف، ويلاحظ الدارس لأفكار الغزالي التربوية أنه جمع في كثير من الأحيان بين التعليم الموجه وحرية الطفل، و نذكر في هذا المجال قولين يبينان هذا المعنى :
- حول المعنى الأول يقول : " كما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا ، وإنما يكمل بالنشوء والتربية بالغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة وإنما تكمل بالتزكية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم ".

الأستاذ : ك. مختار سليم ( أستاذ بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق